الصنائع صنعة بل الخط في المكتوب والنسخ في المنسوخ والحرز في المحروز والصنعة في المصنوع ، كذلك كان ظهور الابداع في المبدع ولا في المبدع ، وكما أن اثر الفعل في كل مفعول مثبتة بالفعل من غير أن يوقف على هوية الفعل كذلك اثر الابداع في المبدع مثبت من غير أن يقوم كل واحد منهما بهويته بل هويتهما هوية واحدة ، فجميع هذا الذي وصفناه يوجب نفي اثبات القدم للصور قبل ظهورها والصحيح المستقيم هو ان يقال للباري مبدع الأشياء لا من شيء من غير صورة واحدة وصورة كثيرة تقدمت الابداع ، وانه لم يزل ولا ابداع ولا مبدع ولا مشير الّا هو ولا إشارة ولا اسم واقع ولا صفة يوصف بها ولامكان أحاط به واستقر عليه بل هو قبل الزمان والمكان لم يزل ولم يزال ، فلا يقال متحرك ولا ساكن إذ هما مسبوقان بالحركة والسكون ولا يقال هو حركة أو سكون لأنهما من صفات المخلوقين وموهوبات « 1 » منه لخلقه ، وكلما هو موجود في الخلق فهو منفي عن الخالق .
ولمّا وجدنا هويتنا وما هو أعلى منا وما هو أدنى منا كلها مبدعة مخلوقة ومعلولة بالابداع والخلقة علمنا أن مبلغ علمنا مبلغ علتنا وان العلة كالإفاضة علينا من مبدعنا وخالقنا ونحن عاجزون عن مجاورة « 2 » ما أفيض علينا غير مدركين لما وراء العلة ، فليس لنا إذا من ادراك المبدع سوى الاقرار به فقط من غير وقوف منا على ما بينه ، والاقرار منا هو إضافة جميع ما افاضه علينا اللّه جل وعز ، وانه هبة منه لنا وجودا وتفضلا علينا ، وهذا القول المنطقي والاعتقاد العقلي الذي نقوله في التوحيد ونعتقده ظهر بعد ظهور هويتنا ، ولمّا وجدنا الأقاويل والعقول مبدعة مخلوقة أيقنا ان القول المنطقي والقول الوهمي الفكري العقلي لا يحيط على ما فوقه لان هذا غير ممكن ان يحيط المحاط على المحيط به .
والدليل على ذلك هو انّا لو توهمنا بالوهم والفكر والعقل بالوقوف على الذي لم يجد شيئا يستقر عليه فيتكل على رأيه وهو ان يؤديه ذلك إلى التعطيل فلذلك قال الرسول على
هامش
( 1 ) سقطت في نسخة م .
( 2 ) وردت بنسخة ق مجاراة .