تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيضاح — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
جملتها قبل كونها لم تكن هوية لواحد منهما ، ولا صورة ولا ذاتا ، وان المبدع أبدعها دفعة واحدة بأصولها وإمكانها وفروعها من غير تقدم المكان لا المتمكن ولا الأصل أو الفرع ، بل ابدع جوهرا تاما فيه جميع كل شيء بصورته وجنسه ونوعه وجميع كيفياته معلومة فيه ، وذلك قوله تعالى :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
فلو كان عند الجسمانيين شيء اسرع من لمح البصر ، لكان الباري يضرب المثل به تقريبا إلى أوهامهم ، وتقريرا في أفهامهم ، فالباري إذا هو المبدع التام الذي ابداعه كان تاما ، فالمبدع بالابداع التام من المبدع التام لم يكن الّا تامّا ، وهذه الأسماء التي وصفناها مثل المبدع والابداع والمبدع انما وقعت عند ظهور المبدع ، كما أن الأسماء التي هي الخالق والخلق والمخلوق ظهرت عند ظهور المخلوق وذلك ان المبدع لمّا كان معلولا بالعلة وقع عليها اسم مشتق « 1 » من اسم المعلول ، ولمّا كان مبدعا أضيف ابداعه إلى المبدع ، وكذلك اسم السابق إذا وقع على المبدع عند الظهور المسبوق ، فإذا رفع المسبوق بالوهم ارتفع الاسم عن السابق ، ولو رفع الاسم عن المبدع الحق لم ينل المسترشد معرفته ، اذن فوضع الاسم هو الدلالة من دونه ليكون لهم سببا ومرقيا إلى معرفته ، وان اسمه واقع عليه من نحونا عليه وابداعه وتكوينه الأشياء ، وليس له اسم من نحو ذاته بل من نحو ذاتنا ، وكذلك ما دون الأسماء من الصفات فسبيلها هو ما ذكرنا ، لان الحكماء أجازوا اضافتها إلى المبدع الحق بل لهذه العلة التي قلنا إنها الوحدة والامر والأزلية ، فالكلمة والعلة هي أسماء واقعة على الابداع والأول والسابق والعقل والقلم والقضاء هي أسماء واقعة على المبدع ، كما أن الآخر والتالي والنفس واللوح والقدر والنور هي أسماء واقعة على التالي ، واعلم أن الابداع في المبدع كالفعل في المفعول ، وكما أن هوية الفعل من الفاعل ، لا شك تقول هذا خط فلان ، وهذا نسخ فلان ، وهذا حرز فلان ، وهذه صنعة فلان ، ففلان هو الفاعل وليس الخط هو فلان ، فكذلك هوية الابداع من المبدع الحق ، وكما أن ظهور الفعل في المفعولات ، لأنك لا ترى في الكاتب خطّا ولا في الناسخ نسخا ولا في الحرز حرزا ولا في أحد من
هامش
( 1 ) في نسخة م وردت مركب .