لأنه لو كانت صورة الأشياء معلومة عند المبدع قبل ابداعها كانت قديمة مع الواحد ، ولم يكن الواحد واحدا مجردا فردا بل كان واحدا كثيرا قد جمع الكثرة بقوة العلم الذي فيه ، والصورة المستحدثة منه ربما كانت تصير يوما ما مثله لان المكوّن من الشيء وان كان ضعيفا عند ظهوره يصير يوما ما مثل ذلك الشيء الذي كان بدئه منه ، وهذا فاسد متناقض ، ولو كانت الصور عنده معلومة قبل ابداعها لم يكن هو اوّل مبدع ، بل كان يوجب ذلك الحال انه مبدع وله مبدع قد تقدم ، لان المبدع هو الذي يبدع لا من شيء ولا مثل شيء ولا في شيء ولا مع شيء ولا عن شيء ، فلو كانت الصورة عنده معلومة قبل ابداعها ، كان يبدع مثل الشيء المعلوم عنده ، ومن الشيء المعلوم عنده ، وهذا اعتقاد سقيم فاسد ، وقد قال الحكيم الصادق أعلى اللّه درجته في كتاب ( المحصول ) فان قال قائل فإن لم تكن الصورة عنده معلومة قبل ابداعها يوجب ذلك أنه ابدع ما لم يعلم وما لم يكن عنده قلنا له ان القبلية والبعدية « 1 » وجدناهما في المخلوقين ، ووجدنا في المخلوق من يصور الصور لا على نوع الابداع ، لكن على نوع الاخراج من الشيء ، وان الصور التي أظهرها تقدمه هوايتها قبل ظهورها منه وكانت عنده معلومه بلا وقوف أحد عليها غيره ، فلمّا وجدنا هذه المسائل موجودة عند المخلوق الذي هو في الدرجة الثانية والثالثة لا في الدرجة الأولى ، اي انه ليس بمبدع لا من شيء بل هو الذي ظهر من شيء المبدع بقوة ابداع المبدع فيه ، أيقنا انه منفي عن المبدع الحق ، وآخرا انه لو كانت الأشياء معلومة عند الباري في الأزل كان الباري تعالى محتاجا إلى علم وإلى معلوم به استطاع خلق الأشياء ، والمحتاج لا يكون آلة والآخر هو ان الأشياء ، لو كانت معلومة في الأزل عند الباري ، وكان البار عاجزا عن خلق الأشياء الّا بعد أن تكون تلك الأشياء معلومة عنده ، وكانت المعلومات لا تقوم بذاتها الّا بعد ان يخلقها الباري فقد صار كل واحد من الباري والمعلوم محتاجا إلى صاحبه ، وإذا كان الامر على هذه الصفة فمن جعل أحدهما أولا بان يكون آلة لصاحبه ، من الآخر ، لان المعتقد بان الأشياء كانت معلومة
هامش
( 1 ) وردت الابعادية في نسخة م .