العبد صانعه ولا فاعله لأنه كان يشبهه ، والفاعل لا يشبه مفعوله ، ثم إن العبد لمّا رأيناه حيّا قادرا عالما نفينا هذه الصفات عن باريه لأنّا لو وصفنا الباري بهذه الصفات لما كان خالق عبده ، أو كان يشبهه ، والخالق لا يشبه مخلوقه ، فالعبد إذا واسطة بين مصنوعه وباريه ولا يشبه أحدا منهما لأنه لو أشبه مصنوعه استحال ان يكون صانعه ، ولو أشبه خالقه استحال ان يكون مخلوقه ، فخضوع العبد عرضي لا يبقى وقتين ، والعبد جسم وروح يبقى وقتين ، والعرضي لا يشبه الجسم ولا الجوهر الذي هو الروح ، والباري تعالى لا يشبه الجسم ولا الجوهر ولا العرضي ، لأنه خالق الجميع وانه لا يرى ولا يرى ، لأنك إذا قلت إنه يرى كنت قد شبهته بالجسم ، وإذا قلت إنه لا يرى كنت قد شبهته بالروح ، فقد صحّ بما قلناه ان الباري لا يوصف بشيء من صفات الكثيف واللطيف وان مصنوع العبد لا يعرف الواسطات التي بينه وبين صانعه ، مثل أبيه وأمه والأمهات والأفلاك والأرواح ، ولا يعرف الصانع ، فلذلك سمي صانعه عالما وعارفا ، ولو كان مصنوع العبد يعرف الواسطات ، ولا يعرف الصانع يوجب ذلك ، ان يعرف الواسطات والصانع جميعا ، فلمّا لم يعرف مصنوع العبد شيئا من الواسطات التي بينه وبين صانعه كان ذلك دليلا على أن العبد لا يعرف بالتعليم والتأييد سوى الواسطات شيئا ، اذن فمصنوع العبد معلوم غير عالم ، فلو قلنا إنه عالم نقضنا قولنا انه غير معلوم ، لأنه لا يصير معلوما من الجهة التي وصفناه ، لان الواصف لا يطيق وصف شيء الّا بعد ان يكون ذلك الوصف معلوما عنده ، وإذا كان معلوما عنده فقد استوى مع العبد ومصنوعه ، حيث أحاط علم العبد به ، ووجه آخر هو انه لو جاز ان يقول إنه عالم ، جاز بذلك ان يقول إنه عارف ، لان المعرفة جزء من اجزاء العالم ، فلمّا صحّ بحجة العقل ، وظاهر التنزيل وإجماع الأمة . انه لا يجوز ان يقال للباري عارف ثبت انه لا يجوز ان يقال له عالم ومصنوع العبد مفعول غير فاعل ، والعبد مفعول غير فاعل ، والباري تعالى غير مفعول وغير فاعل ، فلو قلنا إنه فاعل صيرناه محتاجا ، لأنه الفاعل في الشاهد وهو الذي يفعل الشيء ، والذي يفعل الشيء من الشيء محتاجا إلى ذلك حتى يتهيأ له الفعل ، وجلّ الباري عن أن يكون محتاجا إلى شيء ما ، ووجه آخر وهو انّا إذا قلنا إنه فاعل
الإيضاح — صفحة 108
مساهمون: ابو فراس
ص١٠٨