أسماء التنزيل ومواقعها إلى التأويل إلى اوّل اسم من أسمائه الذي هو الاسم الحق ونفى عنه ما لا يليق به من التشبيه والصفات فقد نجا وفاز فوزا عظيما ، ووجه آخر وهو انه لولا التعارف والصورة ، والّا لم يكن يجوز لنا ان نسمّي المبدع بشيء من الأسماء ، فلمّا اضطرّ العلماء أضافوا هذه الأسماء التي هي الأحد والباري والمبدع إلى الانس المحض لأنهم لو رفعوا هذه الأسماء عنه لم ينل المسترشد معرفته ، وان هذه الأسماء واقعة عليه من نحو فعله وابداعه وتكوينه الأشياء ، ولا يعرف له اسما من نحو ذاته ، بل من نحو ذاتنا كلها مثل ما وجدنا الأشياء على قسمين : موجود ومعدوم ، فقلنا : انه موجود لفضله على المعدوم ، ثم لمّا كان الموجود على ضربين حي وميت ، قلنا : انه حي لفضله على الميت ، ثم لمّا كانت الاحياء على صنفين : متكلم وغير متكلم قلنا : انه متكلم لفضله على الفقير ، ثم لمّا كانت الملوك على قسمين : ظالم وعادل ، قلنا : انه عادل لفضله على الظالم ، فقد صحّ بذلك ان تسميتنا إياه ووصفنا له على قدر طاقتنا ومن نحو ذاتنا ، فما رأيناه شريفا من الصفات أضفناه إليه ، وما رأيناه وضيعا نفيناه عنه كقولنا : خالق القدرة والأبدان وليس له اسم من نحو ذاته على الحقيقة فهو إذا أحد حقيقي غير متكثر « 1 » ، ولا مجازي ، والمخلوق واحد مجازي متكثر حقيقي .
فان قال قائل : لما ذا قلت إنه لا يجوز ان اسمي الباري بشيء من الأسماء على الحقيقة ؟ قلنا له ان من وصف وسمّى صار معروفا ، والمعروف لا يكون خالقا لعارفه ، لان المعروف والمعلوم محاط به والعارف والعالم محيط به ، والمحاط به لا يكون إلها ، وكذلك قوله تعالى :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
، وقال :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
فكيف يسمّى ويوصف من لا يحاط به علما وممّا يؤكد قولنا هذا ان المعلومات على قسمين : محسوس ومعقول ، وكلما هو معقول في الدنيا فهو في الآخرة
هامش
( 1 ) وردت في نسخة م مكترث .