مقام النقط ، ولم تستغني الحدود الجسمانية عنها ، وقد أخبرنا تأويل الشهادة ، وفاتحة الكتاب على الحدود مواقع الطاعات الذين لا يقبل اللّه عز وجل من أحد طاعة الّا بواسطتهم ، وتركنا مساواتهم مع الآفاق والأنفس كراهية لتطويل الكتاب ، واعتمادا على أن الباحث يقف عليها عند قراءته سائر كتب البيان .
فان قال قائل ان الرب على من يقع ؟ قلنا له ان الرب إذا لفظت به مرسلا ولم تضفه إلى شيء فيكون وقوعه على الواحد الاحد الذي لا يتكثر ، وهو الباري والرب والمبدع على التحقيق ولا على المجاز بل على التقريب ، حيث إذا أضفته إلى شيء مثل قوله :
وَجاءَ رَبُّكَ
وقال الرسول : وسترون ربكم ، فيكون وقوعه على التالي ، وهذا اللفظ مطلق بين الناس ان يقال لصاحب الشيء رب العبد ، ورب الدار ، ورب الضيعة ، ونحو ذلك .
فان سألنا سائل عن تأويل الوجه والعين والنفس واليدين ؟ قلنا له ان وجه اللّه دليل على السابق الذي به عرفه من عرفه ، ومن وجهه نال امره من ناله ، وقد قال تعالى :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
يعني ان كل شيء خلقه اللّه فهو يستحيل من حال إلى حال وله ابتداء وانتهاء ، وليس للسابق استحالة لان ابتداءه وانتهاءه كان في دفعة واحدة بلا زمان واقع عليه ، كما قال اللّه :
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
وممّا يؤكد قولنا قوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
يعني ان السابق لا يزول عن حاله ، وكل من هو مخلوق فهو فاني ، الّا السابق ، ومن هو متصل من امر اللّه من جهته ، فإنه لا زيادة فيه ولا نقصان ، لأنه قام مبدعا بالابداع التام من مبدع التمام ، وامّا عين اللّه فهي دليل على السابق أيضا ، لان اللّه تعالى جعله عينا لمن هو دونه من الحدود كلها ، فلذلك قال : ولتضع على عيني ، وامّا تأويل قوله :
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
يعني بذلك الأصلين والجدين والخيال ، وامّا قوله حكاية عن عيسى
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ