لم يزل هو فقط ولا شيء معه ، وهو الواحد الذي ليس بواحد الاعداد ، لان واحد الاعداد يتكثر وهو لا يتكثر ، ابدع بوحدته صورة العقل ، وهي صورة واحدة تكثرت بما انبعث منها ، وهو النفس بخلق واحد محض ، فظهرت ألوان الصور من المنبعث منها على قدر ما فيها من طبقات الأنوار فصارت تلك الطبقة صورا كثيرة ، وان الحكيم الصادق أعلى اللّه درجته قال في كتاب « المحصول » عند فراغه من القول في المبدع ، وانما يتهيأ لنا هذا القول في المبدع بما منّ علينا من آثاره المؤثرة فينا من جهة العقل والنفس ، لا عن وقوف منّا على شيء ، وهذا المقدار هو الذي أخرجنا من الفناء إلى البقاء الأبدي ، وقد أوردنا من القول في المبدع من باب الاثبات ، ونفي الصفات ، ما فيه كفاية للمسترشد ، وميلا من الوقوع في التشبيه والخروج منه إلى التعطيل ، إذ ان المعرفة المحضة هي الخروج من تشبيه ما ادخله النطقاء صلوات اللّه عليهم في مرموزات « 1 » كلامهم ، لمّا جعلوا كلامهم الروحاني جسمانيّا تعطفا منهم على أممهم لمعرفتهم ما هم عليه من العجز عن قبول الكلام البسيط ما لم يجعل جسمانيا مشاكلا لأجسادهم المركبة ، ثم نفوا عنه ما الصقوا به من التشبيه بالتأويل الصحيح ، ومن لم ينل من اتباعهم التأويل لا يعدوا من احدى الحالتين ، امّا ان يعتقد بان الامر على ما يجد من نص التنزيل من غير تأويل ، ويتهيأ له بذلك دفع الصفات والإضافات في محض التشبيه ، لأنه تعالى يقول في كتابه :
بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
فقد دلّ بقوله هذا ان من تخلف عن التأويل لم يحط علمه بكيفية الشيء ، لانّ الإحاطة بحقيقة الشيء يكون بعلم التأويل ، لان علم التأويل هو علم الانتهاء ، به يتمّ علم الإحاطة والمنكر له واقع في التشبيه والشرك ، وكذلك قال اللّه تعالى :
وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
وقال الرسول : الشرك في أمتي اخفى من دبيب نملة سوداء على صخرة صمّاء في ليلة ظلماء ، وامّا ان يذهب على رأيه الضعيف فينبذ ما في التنزيل وراء ظهره ، فيخرج منه إلى الزندقة والتعطيل ، لأنه
هامش
( 1 ) وردت في نسخة م مرموزة .