تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
الثاني فلأن اللّه تعالى قال في كلامه المحكم
( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ )
[ البقرة : 253 ] . وقال أهل التفسير : أراد بقوله ( ورفع بعضهم درجات ) محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، أي رفعه على سائر الأنبياء من وجوه متعددة . وقد أشبع الكلام في تفسير هذه الآية الإمام الهمام الفخر الرازي في تفسيره الكبير . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر » . أي لا أقول ذلك فخرا لنفسي ، بل تحدثا بنعمة ربي . وأما الثالث فغير محتاج إلى البيان حتى أقر بفصاحته الموافق والمخالف . وقال الرواة في وصف كلامه أنه كان أصدق الناس لهجة ، فكان من الفصاحة بالمحل الأفضل والموضع الأكمل . وأما الرابع فلأن اللّه تعالى قال :
( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ )
[ الأحزاب : 56 ] . وألوف ألوف من الناس يصلون عليه في الصلوات الخمس . وأما الخامس فظاهر . وقد قال هو بنفسه « أنا رسول اللّه بالسيف » . وأما السادس فكانت قوّته الجسمانية على الكمال ، كما ثبت أن ركانة خلا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض شعاب مكة قبل أن يسلم ، فقال : يا ركانة الا تتقي اللّه وتقبل ما أدعوك إليه ؟ فقال : لو أعلم واللّه ما تقول حقا لا تبعتك . فقال : أرأيت أن صرعتك ، أتعلم أن ما أقول حق ؟ قال : نعم . فلما بطش به صلى اللّه عليه وسلم أضجعه لا يملك من أمره شيئا ، ثم قال : يا محمد عد . فصرعه أيضا . فقال يا محمد أن ذا لعجب . فقال صلى اللّه عليه وسلم : وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه ، إن اتقيت اللّه وتبعت أمري . قال : ما هو ؟ قال : أدعو لك هذه الشجرة . فدعاها ، فأقبلت حتى وقفت بين يديه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لها : ارجعي مكانك . فرجع ركانة إلى قومه ، فقال يا بني عبد مناف ، ما رأيت أسحر منه . ثم أخبرهم بما رأى . وركانة هذا كان من الأقوياء والمصارعين المشهورين . وأما شجاعته فقد قال ابن عمر رضي اللّه عنهما : « ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » . وقال علي كرم اللّه وجهه : « وإنّا كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه . ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشدّ الناس يومئذ بأسا » . وأما السابع فلأن الأمانة والصدق من الصفات الجبلية له صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال النضر بن الحارث لقريش : « قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم وجاءكم بما جاءكم قلتم انه ساحر . لا واللّه ما هو بساحر » . وسأل هرقل عن حال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أبا سفيان ، فقال : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال لا . وأما الثامن ، فلأنه رمى يوم بدر وكذا يوم حنين وجوه الكفار بقبضة تراب ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه ، فانهزموا وتمكن المسلمون منهم قتلا وأسرا . فأمثال هذه من عجيب هداية يمينه . وأما التاسع فلأن كون أولاد إسماعيل أصحاب النبل في سالف الزمان غير محتاج إلى البيان . وكان هذا الأمر مرغوبا له ، وكان يقول « ستفتح عليكم الروم ويكفيكم اللّه فلا يعجز أحدكم أن يلهو باسهمه » .