تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
ثم إن كان يخترع بنفسه علمه بما سيقع فينبغي ان يعلمه قبل ان يعلمه ليخترع على وفاقه وهذا محال مع أن الانسان يعرف بالضرورة في الجملة ان الاعلام من شيء آخر فلا محالة هذه الأمور ثابتة في عالم آخر أعلى . واما النشأة الحسية فهي نشأة الموت والفناء والفقد والظلمة والجهل وهي مركبة من مادة وصورة سائلتين زائلتين دائمتى التغير والتفرقة والانقسام ولا يتعلق بها شعور ولا اشعار الا بتبعية النشأتين الأخريين وانما يظهر للحس بتوسط الأعراض وذلك أيضا من حيث وحدتها الاتصاليّة . واما من حيث كثرتها المقدارية المتجزئة عند فرض القسمة ؛ فكل من اجزائها معدوم عن الآخر مفقود عنه فالكل غائب عن الكل ، معدوم عنه وكذا كل ما تعلق بها من حيث هو متعلّق بها . وذلك لأنها مادية والمادة مصحوبة بالعدم والظلمة بل هو جوهر مظلم وهي اوّل ما ظهر من الظلام لكونها بالقوة في ذاتها وبما لها في أصلها من عالم النور قبلت الصور النورية للمناسبة فانتفت ظلمتها بنور صورها . فالصور اظهاراتها ، فكل ما وجد فيها قلت نوريّته وضعفت الوجوديّة فيه وخفيت فاحتيج في ادراكها إلى مصادفته مجردا عن المادة حتى خلص الوجود عن العدم . فظهر ظهورا مطلقا . فهذه النشأة مشوبة بالظلمة مخلوطة بالعدم فهي اخس النشئات واضعفها ولضعفها احتاجت إلى مهد المكان وظئر الزمان . وأهلها الذين هم أهلها أشقياء الانس والجن وساير الحيوانات والنباتات والجمادات من البسائط والمركبات المحسوسة في هذا العالم الأدنى الذين لا يكلمهم اللّه ولا ينظر إليهم ابدا . كما ورد في الحديث القدسي : « ما نظرت إلى الأجسام مذ خلقتها » والأشقياء وان كانوا في النشأة المتوسطة أيضا بأبدانهم ولكنهم ليسوا من أهلها لعدم شوقهم إليها وتعلقهم بها ، بل انما تعلقهم وركونهم وشوقهم بهذه النشأة الأدنى الأرذل لأنهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها فإذا فارقوها عذبوا بفراقها . وهذا بخلاف السعداء فإنهم وان كانوا في النشأة الفانية أيضا بأبدانهم ولكنهم ليسوا من أهلها لعدم تعلقهم بها وركونهم إليها بل انما