انظر إلى زيد - الحاصل في ذهنك وكل ما تدركه من الصور والأشباح الخياليّة وكل ما تراه في المنام فإنها كلها من موجودات تلك النشأة الا ان أهلها قسمان - قسم خلقه اللّه سبحانه على سبيل الابداع أو التكميل بعد التكوين ، فهم قائمون بذواتهم ، باقون ببقاء بارئهم ، اما
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ »
« 1 » وهم الملائكة المدبرون في هذا العالم الجسماني والسعداء المتوسطون من الانس والجن الذين هم أهل النجاة من الزهاد والعباد ، الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، لهم هناك جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وهم فيها خالدون .
واما وجوههم قترة عليها غبرة أولئك هم الكفرة الفجرة والشياطين المكره .
وقسم يصدر عن نفوسنا باذن اللّه بابداعنا إياه في الحياة الدنيا وفي الآخرة وهو قائم بنفوسنا - قيام الفعل بالفاعل ، وانما يبقى ببقاء توجه النفس والتفاتها إليه واستخدامها المتخيلة في تصويره وثبته . فإذا اعرض عنه انعدم وزال وذلك : لأن اللّه سبحانه خلق النفس الانسانيّة وأبدعها مثالا لنفسه ذاتا وصفة وفعلا مع التفاوت بين المثال والحقيقة لتكون معرفتها مرقاة لمعرفته - فنفخ فيها من روحه - وجعل ذاتها مجردة عن الأكوان والأحياز والجهات وصيرها ذات حياة وقدرة وعلم وإرادة وسمع وبصر ، وجعلها ذات مملكة شبيهة بمملكته ، يخلق ما يشاء ويختار ما يريد . فلها في ذاتها عالم خاص بها من الجواهر والأعراض المفارقة والمادية والأفلاك والعناصر والمركّبات وسائر الخلائق . الا انها لضعفها وبعدها عن ينبوع الوجود بوسائط وتنزلات وغلبة احكام التجسم عليها لصحبة المادة وعلائقها لا يترتب على افعالها وآثارها - ما دامت في هذه النشأة - ما يترتب على الأشياء الخارجيّة . بل وجودات آثارها حينئذ كظلال وأشباح للوجودات الخارجيّة .
وان كانت الماهية بعينها محفوظ في الوجودين .
هامش
( 1 ) - س 75 ، ى 23 .