نعم من يجرد عن جلباب البشرية واتصل بعالم القدس ومحل الكرامة وكملت قوته فإنه يقدر على ايجاد أمور موجودة في الخارج مترتبة عليها الآثار باذن اللّه ولو كان بعد في هذه النشأة ويقدر على حفظها بالهمة ما لم يغفل عنها فمتى طرأ عليه غفلة « 1 » عدمت .
ان قيل : من اين لنا ان نعلم أن ما نشاهد في قوة خيالنا من الصور المخترعة ليست منطبعة في جسم من أجسام هذا العالم .
قلنا : لأنا لا يمكننا ان نشير إليها إشارة حسية بأنها هنا أو هناك وكيف يكون في موضع من الدماغ والروح التي فيه مع قلة مقداره وحجمه جبال شاهقة وصحارى واسعة مع أشجارها وأنهارها وتلالها وو هادها وأفلاك وكواكب عظيمة مع انا نتصورها على الوجه الجزئي المانع من الاشتراك فهي اذن ليست في هذا العالم وليست اعراضا لقيامها لا في محل مع أنها ذوات ابعاد ومقادير فهي أجسام - بسيطة صورية ، ليست لها مادة . وذلك لأنها غير مصحوبة بقوة واستعداد ولا قابلة لتغير وتبدل من اتصال وانفصال أو نحو ذلك حتى يجرى فيها برهان اثبات المادة . بل هي تبدع دفعة كما هي عليها وتفنى دفعة بالكلية .
كذلك فإذا أردنا قسمة جسم مثلا في الخيال إلى نصفين فلا سبيل لنا إلى ذلك الا بابداع نصفين لا ان نقسم ذلك الجسم إليها . وكذلك ان أردنا تسويد الجسم الأبيض هنا لك اخترعنا جسما ، اسود ، مثله وعلى هذا القياس .
ومما يدل على النشأة المثاليّة واستقلالها ، دلالة واضحة ؛ المنامات والكهانات الصادقة . فان صاحبهما لا يوجد علمه بالأشياء في ذاته لذاته موافقا لما سيقع فان عجزه ظاهر وعجز نوعه والنائم ليس في قواه قدرة ذلك ولا لنفسه والا لكان في اليقظة أقدر على ابداعه ،
هامش
( 1 ) - هذا ما ذكره الشيخ الأكبر في الفتوحات والفصوص ونقل في الأسفار وذكره المؤلف العلامة في هذه الرسالة .