والحس يرى الشيء الواحد عظيما في القرب صغيرا في البعد وكلّما صار ابعد يراه أصغر إلى أن يصير بسبب البعد كنقطة ثم تبطل رؤيته وكلّما صار أقرب كان أعظم إلى أن يصير بسبب القرب ساترا لنصف العالم ثم تبطل رؤيته . وأيضا فان مدركات العقل الأرواح الباقية الأزلية التي يمتنع فناؤها والذوات الثابتة النورية التي يستحيل تغيرها ، وهي تقوى العقل وتزيده نورا كلّما كثرت .
واما مدركات الحس فهي الأجسام المتغيرة الفانية واعراضها المادية المستحيلة الزائلة وهي تفسد الحس إذا قويت لذته فان لذة العين مثلا في الضوء والمها - في الظلمة ، والضوء القوى يفسدها وكذا الصوت القوى يفسد السمع ويمنعه من ادراك الخفي بعد .
وصل فتبّا وتعسا لأوهام عامية خسيسة زعمت : ان اللذات القوية المستعلية هي الحسيّة وان ما عداها لذات ضعيفة وكلها خيالات غير حقيقيّة .
قال في الإشارات « وقد يمكن ان ينبه من جملتهم من له تميز - ما - فيقال له : أليس الذماء تصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمور تجرى مجراها وأنتم تعلمون ان المتمكن من غلبة - ما ولو في - امر خسيس كالشطرنج والنرد قد يعرض له مطعوم ومنكوح فيرفضه لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهميّة وقد يعرض مطعوم وو منكوح في صحبة حشمة فينفض اليد منهما مراعاة للحشمة فيكون مراعاة الحشمة آثر وألذ « لا محالة » هناك من المطعوم والمشروب وإذا عرض الكرام من الناس الالتذاذ بانعام يصيبون موضعه آثروه على الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين إلى الانعام به وكذلك فان كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ويستحقر هول الموت ومفاجأة