تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
إلى المعقولات كما يمنع الخدر العضو عن الاحساس بالاحتراق مثلا وما لم يقبل النفس على المعقولات لم تجد ذوقا منها فلم يحصل لها شوق إليها . واما الجهل فلما كان مستمرا غير متجدد وكانت النفس مشتغلة بغيره لم تكن مدركة له فلم تكن متألّمة به .

وصل ثم إن نسبة اللذة إلى اللذة هي بعينها نسبة المدرك إلى المدرك ،

والادراك إلى الادراك . وذلك لأن المحدود والحد يجب ان يكونا متطابقين في قبول الشدة والضعف ، كالسواد الّذي يحد بأنّه لون قابض للبصر . ثم كان بعض الألوان اقبض للبصر من بعض فوجب ان يكون بعض ما هو سواد اشدّ من بعض ، فكل ما وجوده أقوى وخيريته أتم وملائمته أوفر وادراكه أشد - فالالتذاذ به أكثر والابتهاج به أكمل والسرور به أدوم . وكل ما هو استلزامه للعدم أقوى وشريّته أتم ومنافرته أوفر وادراكه أشد ، فالتألم به أكثر والاغتمام به أكمل والحزن به أدوم وعلى هذا القياس . وقد دريت ان المجردات عن المواد وجوداتها أقوى ومدركيّتها أتم وان الخيرية والملائمة فرعان للوجود فادراكها لا محالة ألذ من ادراك الماديات على اختلاف مراتبها جميعا . فاللذات العقلية أقوى وأشد من اللذات الخياليّة . والخيالية أقوى وأتم من الحسية بل نقول : لا نسبة للذات العقلية إلى الحسّية ، كيف لا ، والعقل يدرك الشيء على ما هو عليه مجردا عما هو غريب له من القشور واللبوسات ، فينال حاق جوهره ولب ذاته . واما الحس فلا يدرك الا الخلطاء ولا ينال الا المشوبات بالغير فلا يحس باللون ما لم يحس معه بالطول والعرض والوضع والأين وأمور أخرى غريبة عن حقيقة اللون . وأيضا فان ادراك العقل يطابق المدرك ولا يتفاوت