وصل ومن الشواهد : انّك مع شواغلك إذا فكرت في آلاء اللّه أو سمعت آية تشير إلى الأمور الالهيّة وأحوال المآب انظر كيف يقشعر جلدك ويقف شعرك ويهوّن عليك حينئذ رفض البدن وقواه وهوسه وهواه وذلك لأجل نور قذف في قلبك من الجنبة العالية وانعكس اثره إلى ظاهر جلدك من جهة الباطن على عكس ما ينفعل الداخل من الخارج فباطنك غير ظاهرك .
وأيضا : إذا أردت ان تتوجه إلى تكميل جوهرك وتفعل فعلك الخاص من تعقل النظريات ، أو اخلاص نيّة في التقرب إلى اللّه سبحانه ، أو امتناع عن مخالطة الشهوات والوساوس المفسدة - لم يتيسّر لك ذلك الا بمجاهدة تامّة ومغالبة عظيمة ، فالجوهر النطقي منك من عالم آخر وقع غريبا - في دار الجسد بيد الظلمة والفسقة والكفرة من القوى الشهويّة والغضبيّة والوهميّة .
وأيضا النفس والبدن كما ترى يتعاكسان في القوة والضعف فبعد الأربعين تكمل النفس وتكلّ الآلة فكلال البدن ليس منشؤه الا فعليّة النفس وتفردها بذاتها واما الخرافة عند الهرم بسبب قلّة الحرارة فذلك لأن حاجة النفس إلى مزيد التدبير تمنعها عن جودة التعقّل .
بل نقول : لو كان التعقّل بآلة بدنيّة لكان كلّما عرضت لها آفة وكلال عرض فيه فتور ، وإذ ليس هذا كليّا فليس التعقل بآلة بدنيّة .
وأيضا : كل من له أدنى رتبة في التحدس والتفطّن ورجع إلى ذاته وشاهد ما فعله المتخيّلة الّتي هي أحد أقواه في إنشاء ماهيات الأبعاد والأجرام ، والتصرف في الجبال الشاهقة والصحارى الواسعة ، والأفلاك المتحركة والساكنة ، والكواكب ؛ تارة بالتركيب والتفصيل وتارة بالتسكين والتحويل ، لتحدس يقينا ان نفسه العلّامة الفعّالة في عظائم الأجرام ودقايق المعاني وكلياتها ، ليست جسما ولا