تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
واما في هذا العالم فليس لشيء منها وجود أصلا ، إذ الوجود هاهنا ليس الّا للاشخاص المحسوسة خاصّة . ثم من الكائنات ما يكفى في تكونه دورة واحدة . ومنها ما يحتاج إلى ادوار . ومنها ما يحتاج إلى عودات ، وكل كائن فاسد البتّة وله مدة يتكون فيها ومدة يضمحل فيها وينتهى إلى اجله . فان لكل اجلا متناهيا يستحقّه بقوته المدبّرة لبدنه ، لا يحتمل مجاوزته ان جرت أسبابه على ما ينبغي وهو الاجل الطبيعي . وقد يعرض أسباب اخر من حصول المفسد أو فقدان النافع المعيّن فيفرض لتلك القوة ان يقصر فعلها عن الأمد . فمن الآجال طبيعيّة ومنها اختراميّة ، وكل بقدر .

أصل وكما أن الأجسام والجسمانيّات الكائنة السفليّة منوطة بالحركات السماوية ،

فكذلك سائر أحوالها حتى الاختيارات والإرادات النفسانيّة ، فإنها أمور تحدث بعد ما لم تكن ولكل منها - بعد ما لم يكن - علّة وسبب حادث ، وينتهى ذلك إلى حركات الأفلاك وهي على اطراد متسق تكون دواعي إلى القصد وبواعث عليه وهذا هو القدر الّذي أوجبه القضاء ، والقضاء هو الفعل الأول الإلهي الواحد المستعلى على الكل الّذي يتشعب منه المقدورات وكل مرهون بوقته واجله . فما يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر الّا بحق لازم وقضاء حتم . ومن هنا يظهر كيفيّة صدور افعالنا وانها وان كانت باختيارنا ومشيّتنا لأن اللّه أعطانا القوة والقدرة والاستطاعة فنحن - ان شئنا فعلنا وان لم نشأ لم نفعل - ، لكنّا لسنا بحيث ان شئنا - شئنا وان لم نشأ - لم نشأ ، بل لا بدّ ان ينتهى مشيّتنا إلى مشيّة اللّه سبحانه كما قال عز وجل :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ . »