تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
فساد وكون ، للزم تفويض أحد الفاعلين الطبيعيّين فعله إلى الآخر ، وهذا غير جائز في الافعال الطبيعيّة ، بل انما جاز في الصناعات الاختياريّة التي تكون بالقصد والرويّة . ومما يدل على الحركة الجوهرية أيضا انقلاب الصورة النوعيّة من المائيّة إلى الهوائيّة ، عند ورود الحرارة الشديدة عليها ، المضعّفة للمائيّة قليلا قليلا بالتدريج حتى يقرب طبيعة الماء إلى طبيعة الهواء ، وانتقصت مائيّته حتى صار هواء ، إذ لو لم يكن حد مشترك بين الماء والهواء - حتى يكون أسخن الافراد المائيّة ، وأبرد الافراد الهوائيّة - ، لكان الانتقال للمادة من الصورة المائيّة إلى الصورة الهوائيّة بلا جامع ، فيلزم اما تتالى الآنين ، أو خلوا لمادة عن الصور في آن واحد ، وكلاهما مستحيل . والسر في ذلك ما دريت ان الوجود مما يشتد ويضعف ، دون الماهية ، وان مبادى الآثار هي وجودات الأشياء ، لا ماهيّاتها ، والوجود ما لم يتغير في قوته وضعفه لا يمكن ان يختلف اثره في القوة والضعف . لكن كل تضعف أو اشتداد لا يوجب ان يتغير به حد الماهيّة في جواب ما هو ، انما التدرج في أحدهما مما ينتهى إلى حيث يتغيّر جواب ما هو دفعة . ومن هنا اشتبه الامر على الجمهور ، فزعموا انّ الانقلاب دفعي والاستحالة تدريجية ، فأنكروا الحركة في الصورة ، واثبتوها في الكيفيّة ، وليس الامر كذلك ، بل الاستحالة لا تخلو عن الكون والفساد ، الّا ان الاستحالة محسوسة في الأكثر ، والتفاوت في الوجود والحركة في الجوهر غير محسوسين الّا في الاقلّ . ولا يلزم من ذلك وجود أنواع بلا نهاية بالفعل بين جوهر وجوهر ، بل هناك وجود واحد شخصىّ متّصل له حدود غير متناهية بالقوة - كما نبّهنا عليه - ، على قياس الاشتداد الكيفي والكمّى ، من غير فرق .