لأنهم انما يعرفون أنفسهم باللّه سبحانه ، وكونهم عبيدا وخدما له مسخّرين ، فلذتهم أيضا بذاته ، فهم على الدوام في مطالعة ذلك الجمال لا يرتد إلى أنفسهم طرفهم طرفة عين ، لاستهلاكهم في ذات الحبيب الأول .
ونحن نلتذّ بادراك روائح الحق في أوقات متفرقة من ايّام دهرنا ، ما لا يقدر الألسن وصفها . ونحن مصروفون عنه ، مردودون في قضاء حاجات ، منغمسون في تدبير الطبيعة البدنيّة إذا تعرضنا على سبيل الاختلاس لنفحات اللّه في زمان قليل جدا يكون كسعادة عجيبة . وهذه الحالة للمقربين ابدا من غير مشوش ، فكيف بهجتهم وسعادتهم ؟ وكيف من بهجهم وأسعدهم ؟ تعالى شأنه .
وصل وما أحسن ما قيل ! : « صلّت السّماء بدورانها ،
والأرض برجهانها ، والماء بسيلانه ، والمطر بهطلانه ، وقد يصلّى له ولا يشعر ، ولذكر اللّه أكبر » ، فالسّماوات بسرعة وجدها ، والأرض بفرط سكونها ، لسيّان في هذا الشأن ، ولعمر إلهك لقد اتّصل بالسماء والأرض من لذيذ الخطاب في قوله عز وجل : ( ائتيا طوعا أو كرها ) « 1 » ، من مشاهدة جمال القهر ، ما طربت السّماء طربا رقصها ، فهي بعد في ذلك الرقص والنشاط ، وغشى به على الأرض لقوة الوارد ، فألقيت مطروحة على البساط فسريان لذة القهر هو الّذي عبدهما ، ومشاهدة لطف الجمال هي التي سلبت افئدتهما ، حتى قالا ، قول الوامق ذي الحنين :
« أَتَيْنا طائِعِينَ »
« 2 » . فذلك ، من عميم اللطف ، شكر ، وهذا ، من رحيق الشوق ، سكر .
هامش
( 1 ) - س 41 ، ى 10 .
( 2 ) - س 41 ، ى 10 .