تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
الملوك ، ويتخيّل الغايات الحقيقيّة كالغايات الحسّية ، فكأنهم يعبدون حكاية الحق الأول ، ويعشقون ذلك ، لا ذاته تعالى ، فلهذا صارت عباداتهم وحركاتهم أمثلة لعبادات أهل الحق ، واشباحا لنسك العارفين . والشقيّة نفوس منغمسة في عالم الطبيعة ، متنكّسة رءوسها ، لانكبابها على الشهوات واللذات الحسّية والتغلّبات الحيوانيّة ، فهي التي كفرت بأنعم اللّه ، وصرفت قواها الشهوية والغضبيّة في غير ما خلقت لأجله ، وضلّت ضلالا بعيدا ، وخسرت خسرانا مبينا . وهي مع هذه الشقاوة الفاحشة غير خالية من عشق وشوق إلى طلب الخير الأقصى والحق الأعلى ، بحسب غريزتها وطبيعتها الفطريّة التي فطر الناس عليها ، وذلك لأنّها انما طلبت ما طلبت ، وعشقت ما عشقت من المشتهيات الدنيّة والحظ الأرذل الأدنى ، لأنها تصورت فيها الخيريّة ، وقد ثبت انّ الوجود كلّه خير ، وان الشرور انما هي بالإضافة - كما يأتي بيانه - ، فما هو شرّ بالنسبة إلى امر فهو خير في نفسه ، أو بالإضافة إلى امر آخر ، فالنفوس انما عشقت مستلذاتها من جهة خيريّتها ، ولكنّها ، لجهلها وعماها ، ذا هلة عن استلزام ذلك فوات الخيرات الكثيرة التي لا نسبة لها إلى هذه ، فرجع عشقها اذن إلى الخير ليس الا وبيّن انّ الخير كلّه من عند اللّه عز وجل ، وبيده ومنه وبه ، بل انما سائر الخيرات رشح من خيره ، كما أن الوجودات كلها رشح من وجوده ، فهي اذن ليس عشقها الا للّه ( سبحانه ) بالحقيقة ، سواء كان بحسب الظاهر للمال والجاه ، أو الحسن والجمال أو غير ذلك . ومن هنا قيل : « ما أحب أحد غير خالقه ، ولكن احتجب عنه تعالى تحت زينب وسعاد وهند وليلى والدرهم والدينار والجاه وكل ما في العالم ، فأفنت الشعراء كلامهم في الموجودات ، وهم لا يشعرون ، والعارفون باللّه لم يسمعوا شعرا ولا لغزا ولا غزلا الّا فيه من خلف حجاب العبوديّة .
أصول المعارف — صفحة 76 | الفيض الكاشاني