تحتج في استعمالها إلى الرويّة ، بل ربما تكون الرويّة مانعة ، كما في الكاتب الماهر ، فانّه لا يروى في كل حرف . وكذا العوّاد الماهر لا يتفكّر في كل نقرة ؛ وإذا روى الكاتب في كتبة حرف ، أو العوّاد في نقرة ، يتبلّد في صناعته .
فللطبيعة غايات بلا قصد ورويّة . وقريب من هذا اعتصام الزالق بما يعصمه ، ومبادرة اليد في حك العضو من غير فكر ولا رويّة .
ثم إن للأمور الاتفاقيّة أيضا غايات لما يتأدى إليها ، وهي بالنسبة إلى أسبابها واجبات ، مثلا من حفر بئرا فعثر على كنز فعثوره على ذلك الكنز واجب بالنسبة إلى ذلك الحفر ، في ذلك الموضع ، فهذا من باب الدائم بالقياس إلى هذا الفرد الجزئي ، وان كان نادرا اقليا بالنسبة إلى ساير افراد النوع . فالأمور الموجودة بالاتفاق انما هي بالاتفاق عند الجاهل بأسبابها وعللها وامّا بالقياس إلى مسبب الأسباب والأسباب المكتنفة بها فلم يكن شيء منها اتّفاقا ، فالأسباب الاتفاقيّة حيث تكون ، تكون لأجل شيء ، الا انّها أسباب فاعليّة بالعرض ، والغايات غايات بالعرض . فالاتفاق غاية عرضيّة لأمر طبيعي أو ارادى أو قسرى ينتهى إلى طبيعة أو إرادة ، فتكون الطبيعة والإرادة اقدم من الاتّفاق لذاتيهما ، فما لم يكن أولا أمور طبيعية أو اراديّة لم يقع اتّفاق . فالأمور الطبيعيّة والاراديّة متوجهة نحو غايات بالذات ، والاتفاق طار عليهما إذا قيس إليهما ؛ وإذا قيس إلى أسبابه المؤدية إليه تكون غاية ذاتيّة له ، طبيعيّة أو اراديّة .
وصل ولما كانت سلسلة الأسباب ترتقى إلى مبدأ واحد وسبب فرد يتسبّب عنه الأشياء ،
على ترتيب علمه بها ، فليس في الوجود شيء مناف لطبيعة علله وأسبابه ؛ إذ المعلول لا ينافي العلّة . فالحركات المتنافرة الغير المنتظمة بالقياس إلى طبيعة جزئيّة ، متلائمة منتظمة بالقياس إلى طبيعة الكل ؛ وكذا النغمات الغير المؤتلفة