والجمال ، وهو مبدأ كل جمال وزينة وبهاء ، ومنشأ كل حسن ونظام ورواء ، فهو ، من حيث كونه مدركا ، أجل الأشياء وأعلاها وأشدها قوة ، ومن حيث كونه ادراكا ، أشرفها واكملها وأقواها ، ومن حيث كونه مدركا ، أحسنها وارفعها وابهاها ، فهو اذن أقوى مدرك لأجل مدرك بأتم ادراك بما هو عليه من الخير والكمال .
ولا يخفى ان الابتهاج انما يكون على قدر قوة المدرك وتمامية الادراك وخيرية المدرك وملائمته . ويظهر ذلك أيضا من المراجعة إلى الوجدان في اللذات الحسيّة والعقليّة ، على اختلاف مراتبها .
وصل وإذ ثبت ابتهاجه سبحانه بذاته ثبت ابتهاجه بلوازمه وآثاره التي هي موجودات العالم بأسرها ،
إذ كل من أحب ذاتا متّصفة بالبهاء والكمال فلا محالة يحب ما يصدر عنه وينشأ منه بذاته من الآثار واللّوازم من حيث انّها تصدر عنه وتنبعث منه . ولمّا لم يكن للمخلوقات حيثية سوى كونها اثرا من آثار ذاته ورشحا من رشحات فيضه وجوده فلا يمكن ان يتعلق بها ابتهاج ومحبة منه سبحانه ، الا من جهة ابتهاجه بذاته ومحبته لها ، فابتهاجه بها منطو في ابتهاجه بذاته ، بل هو هو بعينه . ومن هنا قال بعض أهل المعرفة - عند سماع قوله تعالى
« يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ »
- : بحق يحبهم ، فإنه ليس يحب الا نفسه ، على معنى انه كل الوجود ، وليس في الوجود غيره ، فهو كمن لا يحب الا نفسه وافعال نفسه وتصانيف نفسه ، فلا يتجاوز حبه ذاته وتوابع ذاته من حيث تعلّقها بذاته ، فهو اذن لا يحب الا نفسه ، انتهى كلامه . ولما كان الابتهاج عبارة عن نفس الادراك وادراكه سبحانه للأشياء وعلمه بها وصدورها عنه على نحو من الترتيب ، فكل