تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
وفقيرا ، وجاعلا ومجعولا ، ومتعيّنا بذاته ، وغير ذلك ، يصدق كلها في باب النّور . واما المسمّى بالنور عند الجمهور كنور الكواكب ونور النار وغير ذلك من الأضواء فليس بنور حقيقي خالص ، لأن نوريّته وظهوره انّما هو بالإضافة إلى القوة الباصرة فقط ، واما بالنسبة إلى سائر الحواس فهو ظلمة وخفاء لا خبر لها عنه أصلا . ونسبة المبصر إلى المبصر كنسبة المسموع والمشموم إلى السامعة والشامّة ، وكذلك غيرها ، لا فرق بينها الّا فيما يرجع إلى شدة الوجود وضعفه . فان قوة الباصرة لما كانت أقوى الحواس ، والمدرك دائما من باب المدرك ، فمدركات الباصرة تسمّى بالنور ، بحسب العرف ، لأجل ذلك ، والا فكما ان الضوء ظاهر بذاته عند الباصرة ، مظهر لغيره من معروضاته عليها ، فكذلك الصوت ظاهر بذاته للسامعة ، مظهر لغيره من معروضاته عليها ، فيقال صوت الرعد ، وصوت الرحا . وكذلك الريح ظاهر بذاته للشامة ، مظهر لغيره من معروضاته عليها . فيقال ريح المسك ، وريح الورد . وهكذا في ساير المدركات . وكما أن الصوت لا يظهر ولا يظهر على غير حاسّة السمع ، والطعم لا يظهر ولا يظهر على غير حاسة الذوق ، فالضوء أيضا لا يظهر ولا يظهر على غير حاسّة البصر ، فلا فرق بينها في النوريّة أصلا . ومن هنا قيل : « لولا النور ما أدرك شيء . لا معلوم ولا محسوس ولا متخيّل أصلا » . ويختلف على النور الأسماء الموضوعة للقوا فهي عند العامّة أسماء للقوا ، وعند العارفين أسماء للنور المدرك به ، فإذا أدركت المسموعات سمّى ذلك النور سمعا ، وإذا أدركت المبصرات سمى بصرا ، وغير ذلك ، لمسا وذوقا وشما وخيالا ووهما وعقلا وحافظة ومفكرة ومصورة . فكل ما يقع به ادراك فليس الا النور . والنور الحقيقي ما يكون ظاهرا في نفس الأمر ، مظهرا للأشياء جميعا ، بذاته بلا توسط شيء من الحواس والنفوس