الصور الخارجية للأجسام مما يصح ان يحصل لها شيء ، الحصول المعتبر في العلم ، ولا هي حاصلة لما يصح له ان يعلمها ، فليست « 1 » هي عالمة بشيء أصلا ، ولا لشيء « 2 » ان يعلمها بعينها كما هي ، فهي اذن معلومة بالقوة لا بالفعل ، بمعنى ان في قوتها ان تنتزع منها صورا فتعلم تلك الصور .
لست أقول « ان متعلق العلم هو هذه الصور بعينها بعد انتزاعها » لاستحالة انتقال المنطبعات في المواد . بل أقول « صور أخرى مثلها » فالمعلوم بالذات من كل شيء ليس الا صورا ادراكيّة قائمة بالنفس متحدة معها ، لا صورا ماديّة خارجية ، سواء كان العلم بطريق الاحساس أو غير ذلك . فالمعلوم بالفعل لا يكون معلوما لغير عالمه ، فكل عالم فمعلومه غير معلوم عالم آخر ، بل هو متحد بمعلومه ، بل هو بعينه العالم والمعلوم والعلم .
فصل الأجسام لما كانت بمنزلة ظلال للوجودات الغيبية القائمة بذواتها من النفوس والعقول ،
ولها نحو اتّصال بها ، لقيوميتها ايّاها ، وتلك الوجودات عالمة بذواتها ومعلومة لها ، لان وجوداتها لانفسها ، فالأجسام أيضا من هذه الجهة لها علم وشعور بقدر اتّصالها بها ، وبحسب وجوداتها . الا ترى إلى الحجر المرمى إلى فوق ، مثلا ، كيف يتحرك إلى تحت ؟ ولو لم يكن له شعور بان المكان التحتى أوفق له ولطبعه لما تحرك إليه ، إذ لو لم يكن له في ذلك مقتض ذاتي لما فعله بالذات ، وإذ لم يكن لمقتضاها وجود الا أخيرا فله نحو من الثبوت أوّلا المستلزم لنحو من الشعور ، وان لم يكن على سبيل القصد والرويّة ، كما في القرآن المجيد :
هامش
( 1 ) - تفريع على قوله فليس لها في نفسها .
( 2 ) - فلا تكون معلومة .