أصل وإذ قد ثبت في محلّه وجوب انتهاء كل من جهات الفقر إلى غنى بالذات من تلك الجهة ،
كما يأتي بيانه ، فقد ثبت وجوب انتهاء كمالات الوجود كلّها إلى كامل بالذات فيها الّذي هي ثابتة له بالفعل دائما في جميع المراتب . وكما أن مفيض الوجود ليس مسلوب الوجود في مرتبة ، فكذلك واهب الكمال لا يجوز ان يكون ممنوا في حد ذاته ، إذ المفيض لا محالة أكرم وأعلى وامجد من المفاض عليه ، فكما ان في الوجود وجودا قائما بالذات غير متناه في التأكّد ، والا لم يتحقق وجود بالغير ، فكذلك يجب ان يكون في العلم علم متأكّد قائم بذاته ، وفي النور نور قائم بذاته ، وفي الحياة حياة قائمة بذاتها ، وفي الاختيار اختيار قائم بذاته ، وفي القدرة قدرة قائمة بذاتها ، وفي الإرادة إرادة قائمة بذاتها ، حتى يصحّ ان يكون هذه الأشياء في شيء لا بذواتها بل بغيرها . فاذن فوق كل ذي علم عليم بذاته ، وفوق كل ذي حياة حىّ بذاته ، وفوق كل ذي قدرة قدير بذاته ، وفوق كل ذي سمع سميع بذاته ، وفوق كل ذي بصر بصير بذاته ، إلى غير ذلك من صفات الكمال . ويجب ان يكون جميع ذلك واحدا حقيقيّا ، لامتناع تعدد الغنى بالذات ، فهو سبحانه كما قيل وجود كله ، وجوب كله ، علم كله ، قدرة كلّه ، حياة كلّه ، لا ان شيئا منه علم وشيئا آخر قدرة ليلزم التركيب في ذاته ، ولا ان شيئا فيه علم وشيئا آخر فيه قدرة ليلزم التكثر في صفاته الحقيقية .
يعنى ان ذاته بذاته من حيث هو هو مع كمال فرديّته منشأ لهذه الصفات ، ومستحقّ لهذه الأسماء ، فيكون هو نفس هذه الصفات وجودا وعينا وفعلا وتأثيرا ، وان كانت هي غيره بحسب المعنى والمفهوم ، وذلك لجواز ان يوجد الأشياء المختلفة والحقائق المتباينة والمفهومات المتغايرة بوجود واحد ، لما دريت ان الوجود هو الأصل ، والماهيّات تابعة ، ودريت ان ذاته سبحانه في غاية