علم أن وجود كل شيء هو نفس هويّته ، فكما لا يكون لشيء واحد الّا هويّة واحدة . فكذلك لا يكون له الّا وجود واحد وعدم واحد ، فلا يتصور وجودان لذات بعينها ولا عدمان لشخص بعينه . واما تعدد العدم للحادث الزماني من حيث السبق واللحوق فهو من تصرفات الوهم . إذ العدم لا يتعدد عند العقل الّا بتعدد الملكات ، فلا ذات قبل الوجود ولا بعده حتى يقال انّها واحدة أو متعددة متماثلة . وانّما يضيف العقل نسبة العدم إلى ذات يختص وجوده بزمان معيّن قبل وجوده وبعد وجوده ، ومرجعه إلى انحصار وعائه الوجودي وضيق استعداده عن الاستمرار والانبساط سابقا ولاحقا . الا ان المحجوب لقصور نظره عن الإحاطة يتوهم ان العدم يطرأ على الشيء ويرفع وجوده الخاص عن متن الواقع ، ولم يتفطن بان طريان العدم على الشيء الثابت في الواقع لا يخلو اما ان يكون في مرتبة وجوده وفي وعاء تحققه المختص به ، فيلزم اجتماع النقيضين في مرتبة واحدة . أو في زمان واحد بعينه . واما ان يكون في غير مرتبة وجوده ووعاء تحققه . فالشيء يستحيل ان يكون له وجود الّا في مرتبة وجوده وظرف فعليّته ولم يتصور له طور آخر من الكون غير ما هو الواقع حتى يطرأ عليه العدم .
الباب الثاني في العلم والجهل وما في معناهما وفيه معرفة الصفات
أصل العلم هو حصول صورة الشيء للعالم وظهوره لديه ،
مجردا عمّا يلابسه .
والجهل ما يقابله . وهما يرجعان إلى الوجود والعدم . وذلك لأن من علم شيئا ، فإن كان صورة لمعلوم عين ذاته فيعلمها بذاته ، وبذاته عبارة عن وجوده الّذي لا ينفك عنه ، فيعلمها دائما بوجوده . فوجوده العالم ، ووجوده المعلوم ، ووجوده