تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول المعارف — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
العلم ، وذلك كعلم اللّه سبحانه بذاته ، وعلمنا بذواتنا . وكذلك إذا كان صورة المعلوم داخلة في ذاته ، بان يكون مرتبة من مراتبه النازلة كعلم اللّه سبحانه بما سواه وعلمنا بقوانا ، وان كانت خارجة عن ذاته ، فلا بد ان يكون فيه قوة هيولانيّة قابلة لان تتصور بتلك الصورة حتى يمكن له ادراكها . ثم إن تلك الصورة لا يجوز ان تفيض عليه من ذاته بالاستقلال ، لأنها صورة كماليّة لذاته التي هي ناقصة من دونها ، فلا محالة تفيض عليه مما فوقه ، مما هو بالفعل في ادراكها ، ولكن بتوسط استعداد منه ومرور عليه ، وهذا كادراكنا لما سوى ذواتنا ، وما أحاط به ذواتنا من المحسوسات والمتخيّلات والموهومات والمعقولات ، فان صورة هذه كلها انّما تفيض على أنفسنا من الجوهر العقلي الّذي هو رب نوعنا ، ومقيم صورنا باذن اللّه تعالى واستعداد منّا ، ورجوع إلى ذلك الجوهر العقلي واتّصال به كما يأتي بيانه في محله . وانّما شرطنا فيه القوة الهيولانيّة القابلة للتصور بتلك الصورة في ادراكها ، لان العلم بالامر الخارج عن ذات العالم هو كالعلم بذات العالم وبما في ذاته ، فلا يتحقق الّا بالاتحاد بالمعلوم والاستكمال به ، بان يكون العالم في نفسه ناقصا من جهة هذا العلم ، فيصير تامّا بالمعلوم ، فيكون نسبته إليه نسبة القوة إلى الفعل ، ونسبة النقص إلى الكمال ، فكأنّه يرتقى من وجود إلى وجود أعلى منه . وذلك لأن الادراك لا بدّ فيه من نيل المدرك ذات المدرك ، وذلك اما بخروجه من ذاته إلى أن يصل إليه ، أو بادخاله ايّاه في ذاته . وخروج الشيء من ذاته محال وكذلك دخول الشيء في ذات آخر . الا ان يتحد معه ويتصور بصورته ، ولهذا قيل : لو لم تكن ذات العالم متصورة بصورة المعلوم ، فباي شيء يناله ؟ أبذاته العارية من تلك الصورة ينال تلك الصورة ؟ هذا محال . وهل هو الّا ان يبصر الأعمى شيئا ؟ كيف
« وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ . »
« 1 » أو ينال تلك الصورة بتلك الصورة ، فما لم يدرك
هامش
( 1 ) - س 24 ، ى 40 .