كان ذلك مركوزا في الحدّ « 1 » لم يبق ذلك الحدّ حدّ الشيء منها لامتناع صدقه حينئذ على شيء منها ، كما لو أردنا حدّ الإنسان والفرس ، وقلنا : إنّهما الحيوان الناطق الصاهل ، فإنّه لا يكون صادقا على أحدهما : فأمّا على الإنسان فلكذب « 2 » الصاهل عليه ، وأمّا على الفرس فلكذب « 3 » الناطق عليه ، وان لم يكن شيء منه مركوزا لم يكن حدّا لتلك المختلفات لعدم دلالته على شيء منها لكونه أعمّ والعامّ لا يدلّ على الخاصّ ، بل ربّما كان حدّا « 4 » للمشترك بينهما « 5 » ولمّا كانت الأجسام كلّها تشترك « 6 » في الحدّ الواحد عند الجميع بلا وقوع القسمة فيه كانت متماثلة عندهم ، فإنّ حدّ الجسم عند المتكلّمين هو الطويل العريض العميق ، وعند الحكماء هو الجوهر القابل للأبعاد الثلاثة المتقاطعة على زوايا قوائم ، ولا ريب في صدق كلّ منهما على جسم .
وفيه نظر ، فإنّا لا نسلّم أنّ هذين التعريفين حدّان للجسم :
أمّا الأوّل فلأنّ المفهوم من الطويل العريض العميق شيء ما له الطول والعرض والعمق ، والشيء الّذي له هذه الأمور جاز أن يكون مختلفا ، إذ المختلفات يجوز اتّفاقها في كثير من اللوازم كما تقدّم ، فكيف يقطع بكونه متّفقا ، وأيضا فالشيء ليس من الأجناس للجسم ، بل من العوارض له ، فلا يكون المؤلّف منه ومن عارض آخر له حدّا ، فهو إذن رسم ، والاتّفاق في الرسم لا يوجب تماثل ما صدق عليه في الحقيقة .
وأمّا الثاني فكذلك ، فإنّ كونه حدّا موقوف على كون الجوهر جنسا لما تحته وهو غير « 7 » معلوم ، ولو سلّم كونه جنسا في الجملة لم يلزم كونه جنسا لكلّ ما صدق عليه حتّى يكون جنسا للجسم ، فإنّ الشيء يجوز أن يكون جنسا لأنواع وعارضا لأمور مغايرة لها ، وهو صادق على الكلّ ، كما يصدق الجوهر عند من يجعله جنسا على فصوله المقسّمة « 8 » له ، وكونه قابلا للأبعاد لا يجوز أن يكون فصلا للجسم ، لأنّه إضافيّ يلحقه عند تصوّر الأبعاد الخارجة عن
هامش
( 1 ) العبارة من قوله : « لا على وجه » إلى قوله « في الحد » محذوفة في ألف .
( 2 ) الأصل : فيكذب .
( 3 ) الأصل : فيكذب .
( 4 ) الف : حدّ .
( 5 ) ب : بينها .
( 6 ) الأصل : مشترك .
( 7 ) الأصل : عين .
( 8 ) ألف : المنقسمة .