وإنّما نفى اللّه تعالى الشفيع لاستحالة أن يكون اللّه تعالى مطيعا لأحد ، إذ الطاعة موافقة الأمر واللّه تعالى يستحيل أن يكون مأمورا ، وأيضا لا يلزم من نفي الشفيع عن الظالمين نفي الشفيع عن بعضهم ، فإنّ لفظ الظالمين عامّ شامل للكفّار والفسّاق ، فلا يلزم من عدم الشفيع لهم عدمه لبعضهم وهو الفسّاق .
[ المسألة الخامسة : في عدم وجوب قبول التوبة ]
قال المصنّف : « والتوبة لا يجب قبولها على اللّه تعالى ، لأنّ المسئ في العرف يحسن قبول توبته ويحسن الإعراض عنه ، والإجماع على الدعاء يمنع وجوبها أيضا » .
قال الشارح دام ظلّه : « اختلف المتكلّمون هاهنا » ، أي في وجوب قبولها على اللّه تعالى ، « فقال البصريون من المعتزلة : إنّه يجب على اللّه تعالى قبول التوبة ويقبح منه العقاب » على الذنب الذي تاب عنه مرتكبه ، « لأنّه يسقط بها ، وقال البغداديون : إنّه يجب قبولها في الجود » - أي حيث كونه تعالى جوادا - « ولا يحسن العقاب بعدها ويكون إسقاطه تفضّلا » .
وهذا القول باطل ، لأنّ العقاب على الذنب بعد التوبة إذا لم يكن حسنا كان قبيحا وترك القبيح واجب ، فكيف يجعل إسقاطه تفضّلا .
« وذهب قوم من أصحابنا إلى أنّه يحسن من المكلّف عقاب التائب وإسقاط عقابه تفضّلا وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق رحمه اللّه واستدلّ عليه بوجهين : »
« الأوّل : أنّا في الشاهد نحكم بحسن قبول التوبة من المسئ المذنب وبحسن الإعراض عنه تارة أخرى ، فإنّ من أساء إلى غيره بأعظم الإساءات ، ثمّ أقبل يعتذر إليه ، فإنّه لا يجب قبوله .
« الثاني : أنّ الأمّة مجمعة على الدعاء إلى اللّه تعالى في قبول توبتهم والتضرّع إليه فيه ، ولو كان ذلك واجبا لما حسن فعل ذلك » ، لأنّه يكون تحصيل الحاصل .
[ المسألة السادسة : في أنّ التوبة واجبة ]
قال المصنّف : « والتوبة على العبد واجبة ، لقضاء العقل والشرع بوجوبهما » .