تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وقال أبو الهذيل العلّاف : كما أنّه قال له كن ، فكان ، كذلك يقول له : أفن فيفنى . وقال الجبائيان - أعني أبا علي وابنه أبا هاشم - إنّ اللّه تعالى يخلق الفناء وهو عرض ، فيفنى جميع الجواهر ، إلّا أنّ أبا هاشم جعل الفناء واحدا وأباه جعل لكلّ جوهر فناء على حدته وذلك الفناء سواء كان واحدا ، أو متعدّدا يفنى لذاته ، فهذه المذاهب المشهورة في هذه المسألة . واستدلّ المصنّف على مطلوبه وهو جواز العدم على العالم بأنّ العالم محدث على ما تقدّم ، فقد كانت ماهيّته متّصفة بالعدم ، ثمّ اتّصفت بالوجود ، لأنّ المحدث هو المسبوق بالعدم ، فتكون - أي ماهية العالم - قابلة لهما - أي الوجود والعدم - وذلك القبول من لوازم تلك الماهيّة اللاحقة لها لذاتها ، أو لما يلزم ذاتها ، لأنّه لو كان عارضا لها - أي غير لازم لذاتها ولا لما يلزم ذاتها - لكانت الماهيّة مفتقرة في قبوله إلى قبول آخر ويتسلسل إلى غير النهاية وإنّه محال وإنّه يلزم انقلاب الشيء من الإمكان إلى الوجوب وهو محال أيضا . وإذا كان قبول العدم من لوازم تلك الماهيّة [ 39 ب ] استحال وجوب البقاء عليها ، لأنّ ما يكون واجب البقاء والاستمرار استحال أن يكون قابلا لطريان العدم . وفي هذا نظر ، فإنّ الحدوث يدلّ على أنّ الماهيّة قابلة للعدم المبتدأ والوجود المبتدأ ، ولا يلزم من ذلك أن تكون قابلة للعدم المقيّد ببعديّة الوجود والمنافي لوجوب البقاء والاستمرار إنّما هو الثاني ، لا الأوّل . قوله : « واعلم أنّ هذا الدليل صحيح يمكن الرد به على قدماء الأوائل » - أعني القائلين بكون العالم واجب الوجود مستحيل العدم لذاته - ، « أمّا على القائلين بالوجوب مستندا إلى الغير ، فهو واجب به » ، أي بذلك الغير وإلّا لما وجد ، لأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد ، لاستحالة ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجّح وإذا كان واجبا بالغير حالة الحدوث جاز أن يدوم ذلك الوجوب لدوام المؤثّر مع لزوم قبول العدم للذات ، فإذن ليس طريق الردّ على هؤلاء القوم القائلين باستحالة عدم العالم بالنظر إلى الغير هذا الدليل ، بل الطريق أن يقال : المؤثّر قادر مختار والمختار لا يلزم من دوام أثره ، بل قد تزول آثاره مع بقائه والعالم من حيث ماهيته قابل للعدم ، لما بيّن من كونه ممكنا ومحدثا ، فيكون أي العالم - قابلا له أي للعدم - باعتبار
إشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت — صفحة 131 | سيد عميد الدين العبيدلي