[ المسألة الرابعة : العالم لا يجب كونه أبديّا ]
قال المصنّف : « مسألة : العالم لا يجب كونه أبديا ، لأنّ قبول الماهية للعدم « 1 » من لوازمها ، فكيف يكون أبديّا وشبهة الخصم ناشئة من كيفية الأعدام ، لأن عدم الشيء إمّا بمعدم ، أو بضدّ ، أو انتفاء شرط وفي الانتفاء ما يتّجه أوّلا والضد يلزم الدور والمعدم « 2 » لا يفعل النفي ولا بدّ من الوجود وهو الضدّ وهذه شبهة باطلة بالواحد منّا ونلتزم « 3 » الضد والعلّة غير محوجة إلى المعلول » .
قال الشارح دام ظلّه : « اتّفق العقلاء على إمكان عدم العالم » ، أي بعد وجوده بجملته وأجزائه وأبعاضه « بالنظر إلى ذاته إلّا من خالف من قدماء الأوائل القائلين بكونه واجبا لذاته وكلامهم قد بان بطلانه » بما تقدّم من بيان حدوث العالم وإمكانه ، « ثمّ اختلفوا » ، أي المتفقون على جواز عدمه بالنظر إلى ذاته ، « فذهب المسلمون إلّا الكرامية والجاحظ إلى أنّ العالم ليس واجبا بغيره أيضا على الدوام » وقيّد بقوله " على الدوام " لأنّه واجب بغيره في زمان وجوده ، لأنّه لولا وجوبه بعلّته لما وجد البتة ، « بل يمكن عدمه نظرا إلى الغير » .
« وقالت الأوائل والكرامية يمتنع عدمه نظرا إلى علّته » ، أي علّة وجوده ، أمّا الفلاسفة فظاهر ذلك من مذهبهم ، لأنّ علّته ، أي علة العالم التامّة واجبة من جميع الجهات دائمة مستمرّة أزلا وأبدا ، فلو صحّ عدمه لارتفع المعلول مع وجود علّته التامّة وأنّه محال .
وأمّا الكرامية فلأنّ عدمه بعد وجوده لا بدّ له من سبب مغاير لذاته ، إذ لو عدم لذاته لما وجد ويستحيل وجود « 4 » سبب مقتض للعدم ، لما يأتي من حصر أسباب العدم واستحالة وقوع شيء منها « 5 » ، فعلى هذا يكون استحالة عدم العالم بالنظر إلى علّة ذلك العدم المستحيلة الوقوع ، لا بالنظر إلى علّة الوجود ، فإنّهم يوافقونا على أنّه تعالى مختار وعلى أنّ أثر المختار قد يعدم مع بقائه وحينئذ لا ينبغي أن ينسب إليهم ما نسب إلى الأوائل من امتناع عدمه نظرا إلى علّته ، إذ لا يلازم بين الفاعل وأثره عند الكرامية وغيرهم من الأوائل المتكلّمين لصحّة عدم كلّ واحد منها مع
هامش
( 1 ) الأصل : العدم .
( 2 ) الأصل : المعدوم ، الف وب : المعدم .
( 3 ) الأصل : يلتزم ، الف ، نلتزم ، ب : ملزم .
( 4 ) الأصل : وجوده ، الف وب : وجود .
( 5 ) في الأصل تكرار هذه الجملة : « فعلى هذا يكون استحالة وقوع شيء منها » .