« الرابع : أنّ الهيولى ممكنة ، فلها هيولى » ومعناه أنّكم أثبتّم للحوادث - باعتبار كونها ممكنة - هيولى يكون محلّا وهذا المعنى - أعني الإمكان - صادق على الهيولى نفسها ، لأنّها ممكنة ، فيلزمكم أن يكون لها هيولى يحلّ فيها إمكانها ويتسلسل .
قوله : « أجاب بعض المحقّقين عن الأوّل » بالمنع من لزوم التسلسل على تقدير كون الإمكان ممكنا وذلك لأنّ الإمكان أمر عقليّ ، فمهما اعتبر العقل للإمكان ماهية « 1 » ووجودا ، حصل فيه - أي في العقل - إمكان إمكان وانقطع عند انقطاع اعتباره .
ثمّ قال : وهاهنا نكتة ينبغي أن تحقّق و « هي أنّ كون الشيء معقولا ينظر فيه العقل ويعتبر « 2 » وجوده ولا وجود غير كونه آلة للعقل « 3 » ولا ينظر فيه حيث ينظر فيما هو آلة لتعقّله « 4 » ، بل إنّما ينظر به مثلا العاقل يعقل السماء بصورة في عقله ، فيكون معقوله السّماء ولا ينظر حينئذ في الصورة التي بها يعقل السماء ولا يحكم عليها بحكم ، بل يعقل أنّ المعقول بتلك الصورة هو السماء وهو جوهر ، ثمّ إذا نظر في تلك الصورة ، أي يجعلها معقولا منظورا إليها ، لا آلة في النظر إلى غيرها وحدها عرضا موجودا في محلّ هو عقله ممكن الوجود وهكذا الإمكان هو كآلة للعاقل بها يعرف حال الممكن في أنّ وجوده كيف يعرض لماهيته ولا ينظر في كون الإمكان موجودا أو غير موجود ، أو جوهرا ، أو عرضا ، أو واجبا ، أو ممكنا ، ثمّ إن نظر في وجوده وإمكانه ، أو وجوبه ، أو جوهريته ، أو عرضيته ، لم يكن بذلك الاعتبار إمكانا لشيء ، بل كان عرضا في محلّ هو العقل وممكنا في ذاته ووجوده غير ماهيته وإذا تقرّر هذا ، فالإمكان من حيث هو إمكان لا يوصف بكونه موجودا ، أو غير موجود ، أو ممكنا ، أو غير ممكن ، فإذا وصف بشيء من ذلك لا يكون حينئذ إمكانا ، بل يكون إمكانا آخر » .
وفيه نظر ، فالمستدلّ ادّعى لزوم التسلسل لثبوت الإمكان الخارج ، فلا يليق اعتراضه بمنع لزوم التسلسل لثبوت الإمكان في العقل وانقطاع التسلسل فيه بانقطاع الاعتبار ، فإنّ المستدلّ لم يدّع « 5 » ذلك ولا يعرض له أصلا والنكتة صحيحة لكنّها لا تقدح في شيء من مقدّمات الدليل الدالّ على امتناع كون الإمكان ثبوتيا .
هامش
( 1 ) الأصل : ماهيته .
( 2 ) ب : يعسر .
( 3 ) الف وب : للعقل ، الأصل : العقل .
( 4 ) ب والأصل : لتعقّله ، الف : لتعلّقه .
( 5 ) الأصل : لم يدعى ، الف وب : لم يدع .