فحدثت السماوات والعناصر [ 27 آ ] ، ثمّ حدثت هذه الحركات السماوية من امتزاجات هذه العناصر ومنها هذه المركّبات وزعمت الثنوية أنّ أصل العالم هو النور والظلمة .
الفرقة الثانية الذين قالوا : إنّ أصل العالم ليس بجسم وهو فريقان :
الفريق الأوّل : الحرنانيون « 1 » وهم الذين أثبتوا القدماء الخمسة : الباري تعالى والنفس والهيولى والدهر والخلاء وقالوا : اللّه تعالى تامّ العلم والحكمة لا يعرض له سهو ولا غفلة ويفيض عنه العقل كفيض النور عن قرص الشمس وهو تعالى يعرف الأشياء معرفة تامّة ، فإنّها تفيض عنها « 2 » الحياة كفيض النور عن القرص ، لكنّها جاهلة لا تعلم الأشياء ما لم تمارسها وكان الباري تعالى عالما بأنّ النفس تستميل « 3 » إلى التعلّق بالهيولى وتعشقها وتطلب اللذّة الحسّية وتكره مفارقة الأجسام وتنسى « 4 » نفسها ولمّا كان من شأن الباري الحكمة التامّة عمد « 5 » إلى الهيولى بعد تعلّق النفس بها « 6 » ، فركّبها ضروريا من التركيب « 7 » مثل السماوات والعناصر وتركّبت أجسام الحيوانات على الوجه الأكمل والنفس بقي فيها من الفساد ما لا يمكن إزالته ، ثم إنّ اللّه تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا وصار ذلك سببا لتذكر « 8 » بها عالمها وسببا لعلمها بأنّها ما دامت « 9 » في العالم الهيولاني لم تنفكّ عن الآلام ، فإذا عرفت النفس ذلك وعرفت أنّ لها في علمها اللذّات الخالية عن الآلام اشتاقت إلى ذلك العالم وعرجت بعد المفارقة وبقيت هناك أبد الآباد في غاية البهجة ونهاية السعادة .
الفريق الثاني : أصحاب فيثاغورس وهم الذين قالوا : إنّ المبادي هي الأعداد المتولّدة عن الوحدات ، قالوا : لأنّ قوام المركّبات بالبسائط وهي أمور كلّ واحد منها واحد في نفسه ، ثمّ تلك
هامش
( 1 ) في الأصل : الحرفابيون ، في نسخة الف : الحرنانيون وفي نسخة ، ب : الحرثانيون والحرنانية هم جماعة من صائبة الكلدانيّين . النظر : الملل والنحل ، 2 / 224 - 230 .
( 2 ) في الأصل : عليها وما أثبتنا موافق لنسختي ألف وب .
( 3 ) هكذا في الأصل ، أما في نسختي الف وب فوردت كلمه " ستميل " .
( 4 ) في الأصل : منشى ، في الف وب : تنسى .
( 5 ) في الأصل والف : عمد ، في ب : عهد .
( 6 ) في الأصل : لها ، في الف وب : بها .
( 7 ) في الأصل وب : التركيب ، في الف : التراكيب .
( 8 ) في نسخة الف : ليذكرها ، في ب : لتذكرها .
( 9 ) في الأصل : دامت .