بالضرورة وثبت كون ذلك المحدث قادرا ، لأنّه لو كان موجبا لقارنه أثره ، فكان « 1 » قديما ، فلا يكون حادثا ، وعالما لأنّ الفعل الاختياريّ لا بدّ فيه من علم سابق عليه لاستحالة القصد إلى ما لا يكون معلوما البتّة ، ومريدا لأنّ تخصيص الأحداث بوقته دون ما قبله وما بعده « 2 » يفتقر إلى مخصّص بالضرورة ولا معنى للإرادة سواه ، وحيّا لأنّ المراد به من لا يستحيل عليه القدرة والعلم ، فقد ظهر كون هذه المسألة من أعظم المسائل في هذا العلم .
وقوله : « ومدار مسائله كلّها عليها « 3 » » يريد بها المسائل المقصودة بالذات - أي بالقصد الأوّل ككونه تعالى عالما مريدا - لا مطلق مسائله وإلّا لكان ممنوعا ، فإنّ كثيرا من مسائل هذا العلم ككون الأعراض باقية أو غير باقية مثلا لا تبني على حدوث العالم .
قوله : « ولهم اختلافات كثيرة لا يليق بهذا المختصر « 4 » » ، أي لهؤلاء القائلين بهذا القسم الثالث - وهو كون العالم قديم الذات محدث الصفات - اختلافات كثيرة والمنقول عندهم أنّهم افترقوا فرقتين :
الفرقة الأولى زعموا أنّ المبدع الأوّل جسم وهؤلاء اختلفوا ، فقال ثاليس الملطي « 5 » أنّ ذلك الجسم هو الماء ، لأنّه قابل لكلّ الصور وزعم أنّه إذا انجمد صار أرضا وإذا لطف صار هواء ومن صفو الهواء تكوّنت النار ومن الدّخان تكوّنت السماوات وقيل : إنّه أخذ ذلك من التوراة ، لأنّه جاء في السفر الأوّل منه أنّ اللّه تعالى خلق جوهرا ، فنظر إليه بنظر الهيبة ، فذابت أجزاؤه ، فصارت ماء ، ثمّ ارتفع منه بخار كالدخان ، فخلق منه السماوات ، فظهر على وجه الماء زبد ، فخلق الأرض ، ثمّ أرساها بالجبال « 6 » .
هامش
( 1 ) الأصل : وكان .
( 2 ) النسختان : بعده بدل : ما بعده .
( 3 ) في نسخة ب : عليها ، في نسخة الأصل ونسخة ب : عليه ، الضمير في " عليها " يرجع إلى " هذه المسألة " ، أعنى اثبات حدوث الأجسام .
( 4 ) في الأصل : الحصر ، في نسختي الف وب : المختصر .
( 5 ) ثاليس أو طاليس أو تاليس الملطي وهو أوّل من تفلسف في الملطية ، قال إن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة جوهريته وإنما يدرك من جهة آثاره وهو الذي لا يعرف اسمه فضلا عن هويته إلّا من نحو أفا عليه وإبداعه وتكوينه الأشياء وكان لا يبنى المعارف في الفلسفة إلا على التجربة مع وفور العقل والتدبير .
راجع : الملل والنحل ، 2 / 242 - 247 .
( 6 ) في الأصل : أرسى هذه الجبال ، في نسختي الف وب : أرساها بالجبال .