في ناووس المجوس ، وإذا النيام موتى . وهذه عجوز شوهاء قريبة العهد بالموت ، عليها الحنوط ، وكفنها الجديد ، فصادف في فمه وأنفه من رطوبات ريقها ومخاطها ، وعلى بدنه من قاذورات أسافلها ، فإذا هو من قرنه إلى قدمه ممتلئ في قاذوراتها ، ثم تفكر في غشيانه إياها وابتلاعه ريقها ، فهجم على قلبه من الخزي ما تمنّى أن يخسف اللّه به الأرض ، حتى ينسى ما جرى عليه . ولا يزال يعاود ذكره ولا ينساه أصلا ، بل تجد نفسه ما عمله من سوء محضرا يود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ، وبدنه بمعزل من هذه المخازي والآلام ، وهو في عذاب دائم في الغثيان والقيء ، وتذكر تلك المخازي ، ويحذر أن يطلع عليه أحد فيتضاعف حزنه ، فإذا هو بأبيه وجميع حشمه قد جاءوا في طلبه ، واطلعوا على جميع مخازيه . فهذه حال من تمتع بالدنيا ، ينكشف له كذلك في الآخرة روحه وحقيقته ، وهي معنى قوله تعالى :
وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ
[ العاديات : 10 ] أي يعرض عليها حاصلها أي روحها وحقيقتها ، وهي معنى قوله تعالى :
يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ
[ الطارق : 9 ] . أي يكشف عن أسرار الأعمال وأرواحها القبيحة أو الحسنة . وكما أن ألذ الأطعمة رجيعه « 1 » أقذر وأنتن ، فألذ تنعمات الدنيا وحاصلها وسرها في الآخرة أقبح وأفضح ؛ ولذلك شبه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الدنيا بالطعام ، وعاقبته بالرجيع .
الصنف الثالث : حسرة فوات المحبوبات ؛ فقدّر نفسك مع جماعة من أقرانك دخلتم في ظلمة ، فكان فيها حجارة لا يرى ألوانها ، فقال أقرانك : احمل من هذا ما تطيق ، فلعله يكون فيها ما ينتفع بها إذا خرجنا من الظلمة ، فقلت فما ذا أصنع بها ؟
أتحمل في الحال ثقلها ، وأكدّ بنفسي فيها وأنا لا أدري عاقبتها ! ما هذا إلا جهل عظيم .
فإن العاقل لا يترك الراحة نقدا بما يتوقعه نسيئة ، ولا يستيقنه . فأخذ كل واحد من أقرانك ما أطاق أخذه ، وأعرضت عن ذلك تستحمقهم وتسخر بهم ، لأنهم ينوءون تحت أعبائه وثقله ، وأنت مرفّه في الطريق تعدو وتضحك منهم . فلما جاوزوا الظلمة نظروا ، فإذا هي جواهر ويواقيت يساوي كل واحد ألف دينار ، فأقبلوا على بيعها وتوصلوا بها إلى الجاه والنعمة وأصبحوا ملوك الأرض . فأخذوك فاستسخروك لتعهد دوابّهم لينفقوا عليك في كل يوم قدرا يسيرا من فضلات الطعام .
هامش
( 1 ) رجيعه : ما يقذف من الجوف عبر الفم .