وتفتضح به ، وبدنك في معزل من ألمه . فكذلك يرى المغتاب نفسه في الآخرة ، ولأنّ روح الغيبة تمزيق أعراض الإخوان والتفكه بها .
وفي عالم الآخرة ينكشف أرواح الأشياء وحقائقها . وكذلك لو كنت ترمي حجارة إلى حائط ، فقال لك قائل : أما تستحي أن تفعل ذلك ، والحجارة ترتد من الحائط وتقع في دارك ، وتصيب حدقة أولادك ، فقد غيبت أحداقهم كلهم ! قلت : معاذ اللّه أن أفعل ذلك . فقال : ادخل دارك . فدخلت فإذا هو كذلك . فانظر كيف تفتضح ويحترق قلبك تحسّرا على عملك الذي ظننته هيّنا وهو عند اللّه عظيم . وهذا روح حسدك لأخيك ، فإنك تحسده ولا تضره وينعكس عليك ويهلك دينك ، وينقل حسناتك إلى ديوانه - وهي قرّة عينك - لأنها سبب سعادة الأبد ، فهي أعز من حدقة الولد . فإذا انكشف لك هذه الروح ، فانظر كيف تحترق بنيران الفضيحة وبدنك بمعزل عنه .
فالقرآن كثيرا ما يعبّر عن الأرواح ، ولذلك قال تعالى في الغيبة :
أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
[ الحجرات : 12 ] . وقال اللّه تعالى في الحسد :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
[ يونس : 23 ] . فيكفيك من الأمثلة مثال الأذان والغيبة والحسد . فقس عليه كل فعل نهاك الشرع عنه ، فذلك لقبح روح الفعل وحقيقته ، وحسن ظاهره ، أي ظاهره حسن للبصر الظاهر ، وباطنه قبيح للبصيرة الناظرة في مشكاة نور اللّه تعالى .
وعن هذا عبر الشرع حيث قال : تعرض الدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شوهاء زرقاء ، صفتها كيت وكيت ، لا يراها أحد إلا ويقول أعوذ باللّه منها ، فيقال هذه دنياكم التي كنتم تتهالكون عليها ، فيصادفون في نفوسهم من الخزي والفضيحة ما يؤثرون النار عليه . وإن أردت أن تفهم كيفية هذه الخجلة ، فاسمع حكاية رجل من أبناء الملوك ، زوج بأجمل امرأة من بنات الملوك ، فشرب تلك الليلة فسكر ، وأخطأ باب الحجرة فخرج من الدار وضلّ فرأى ضوء سراج فقصده على ظنّ أنها حجرته ، فدخل الموضع فرأى جماعة نياما ، فصاح بهم فلم يجيبوه ، فظنّ أنهم نيام ، فطلب العروس فرأى واحدا نائما في ثياب جديدة فظن أنها العروس ، فضاجعها وأخذ يقبلها ويغشاها ، ويجعل لسانه في فيها ويمتص ريقها متلذذا بذلك في سكره غاية التلذذ ، ويتمسح بالرطوبات التي تصيبه من جميع بدنها ، على ظن أن ذلك عطر ادّخرته له . فلما أصبح أفاق فإذا هو