[ فصل في العذاب الآخرة ]
وأما مطالبتك إياي بتفصيل عذاب الآخرة ، وذكر أصنافه ، فلا تطمع بالتفصيل ، فذلك داعية إلى الملال والتطويل ، واقنع بذكر الأصناف ؛ فقد ظهر لي بالمشاهدة ظهورا أوضح من العيان ، أن أصناف عذاب الآخرة ثلاثة : أعني الروحاني منها حرمة المشتهيات ، وخزي خجلة المفضحات ، وحسرة فوات المحبوبات . فهذه ثلاثة أنواع من النيران الروحانية يتعاقب على روح من آثر الحياة الدنيا إلى أن ينتهي إلى مقامات النار الجسمانية ، فإن ذلك يكون في آخر الأمر ، فخذ الآن شرح هذه الأوصاف .
الصنف الأول : حرقة فرقة المشتهيات ، فصورته المستعارة من عالم الحس والتخيل ، التنين الذي وصفه الشرع ، وعدد رءوسه وهي بعدد الشهوات ، ورذائل الصفات تلدغ صميم الفؤاد لدغا مؤلما ، وإن كان البدن بمعزل عنه . فقدّر في عالمك هذا ملكا مستوليا على جميع الأرض ، متمكنا من جميع الملاذّ ، متمتعا بها ، مستهترا بالوجوه الحسان ، متهالكا عليها ، مشعوفا بالإمارة واستعباد الخلق بالطاعة ، مطاعا فيهم ، غافصه « 1 » عدوه واسترقه واستعمله على ملأ من رعيته في تعهد الكلاب ، وصار يتمتع بنعمه ويتمتع بأهله وجواريه بين يديه ، ويتصرف في خزائنه وذخائر أمواله ، فيفرقها على أعدائه ومعانديه . وانظر الآن هل ترى على قلبه تنّينا ذا رؤوس كثيرة ، تلدغ صميم فؤاده وبدنه بمعزل عنه ، وهو يريد أن يبتلى بدنه بأمراض وآلام ليتخلص منه ! فتوهم هذا ، فربما تشتم به قليلا من رائحة الحطمة « 2 » التي فيها نار اللّه الموقدة التي لا تطلع إلا على الأفئدة ، أعدت لمن جمع مالا وعدده يحسب أن ماله أخلده .
واعلم أن عذاب كل ميت بقدر رؤوس هذا التنين ، وعدد الرؤوس بقدر المشتهيات ، فلهذا من كان أفقر وتمتعه في الدنيا أقل ، كان العذاب عليه أخف ، ومن لا علاقة له مع الدنيا أصلا فلا عقاب عليه أصلا .
الصنف الثاني : خزي خجلة المفضحات ؛ فقدّر رجلا خسيسا رذيلا فقيرا عاجزا ، قرّبه ملك من الملوك ورفعه وقوّاه وخلع عليه ، وسلم إليه نيابة ملكه ، ومكنه من
هامش
( 1 ) قوله غافصه أي فاجأه وأخذه على غرّة .
( 2 ) الحطمة : النار الشديدة لأنها تحطم ما يلقى فيها .