برجاء العفو فتقول : لم يعذبني ولم يضره معصيتي بل يلزم العذاب من المعصية كما يلزم الموت من السمّ .
واعلم أن هذه الحسرة دائمة لأن منشأها تضاد صفتين لا يزول تضادهما أبدا ؛ مثاله أن الذي يعلّق بحبل في عنقه أو رجله إنما يتألم لتضاد الصفتين ، لا لصورة الحبل والتعلق ؛ لكن صفته الطبعية تطلب الهويّ إلى أسفل ، والمنع القهري بالحبل يمانع الطبعية فيتولد الألم فيه من تمانعهما ، فكذلك الروح الإنساني من الروح الروحاني الإلهي بأصل فطرته ، فله بحكم الطبع حنين وشوق إلى عالم العلوّ ، عالم الأرواح ، وإلى مرافقة الملأ الأعلى ؛ ولكن أغلال الشهوات وسلاسلها يجذبها إلى أسفل السافلين ، وهي شهوات الدنيا ، وهي صفة عارضة قهرت الصفة الطبعية ، ومنعتها عن نيل مقتضاها ، والألم يتولد من بينهما ؛ والنار أيضا إنما تؤلم للمضادة ، فإن الملائم للتركيب بقاء الاتصال . والنار تضاد الاتصال بالتفريق بين الأجزاء . ولو لم يكن قد رأيت النار ، وسمعت بأن شيئا لطيفا ليّنا يماسّ بدنك فيؤلمك ، لاستنكرته وقلت : شيء لا صلابة فيه كيف يؤلم باللمس ؟
واعلم أن التضاد مؤلم ، سواء كان بسبب خارج أو داخل ؛ فإن سمّ العقرب في العضو يؤلم لفرط برودته المضادة لحرارة البدن . فلا تظنن أن الآلام كلّها تدخل من خارج . فإن قلت : إن العقرب إنما لدغت من خارج فاعلم أن ألم السّن وألم العين لا يقصر عنه ، وإنما سببه انصباب خلط داخل مضادّ لمزاج العين والسن . وليس ذلك بأهون من لدغ العقرب والحية .
واعلم أن تضادّ الصفات في القلب ، يؤلم القلب إيلاما لا ينقص عما يؤلم السن والعين ، ومثاله في أضعف الصفات ، أن البخيل المرائي إذا طلب منه عطية على ملأ من الناس عند من يريد أن يعرفوه بالسخاء ؛ يتألم قلبه لتضادّ صفتين ، إذ البخل يتقاضاه أن لا يعطي ، وحب الجاه يتقاضاه أن يعطي ، وقلبه بين هاتين الصفتين كشخص ينشر بمنشار بنصفين . فهذا مثال حسرة الفوت وعظمها بقدر ما ينكشف من جلالة قدر الفائت ، ولا تعلمه بالحقيقة في هذا العالم بل في عالم الكشف ، وهو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون .
واعلم أن هذه الأصناف الثلاثة ، لها ترتيب :
فالصنف الأول الذي يلقاه الميت المعذب ، هو حرقة فرقة المشتهيات ، وذلك
الأربعين في اصول الدين — صفحة 179
مساهمون: الغزالي
ص١٧٩