تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
تنين حب الدنيا ولذلك أضيف ذلك إلى القبر ؛ وإنما سبق هذا لأن أغلب الأشياء على قلب الميت في الحال فراق ما يفوته في الدنيا من جاه ومال ومنصب ونعمة ، ثم بعد ذلك ينكشف له أرواح الأعمال وحقائقها القبيحة . وذلك عند الانغمار التام في الموت ، وبعد العهد بغشاوة صفات الدنيا . وكل ما كان أعقابه بعد الموت أشد ، فهو للكشف أقبل ، فيفيض عنه ذلك عليه الخزي والفضيحة ، ولذلك أضيف هذا إلى القيامة ، لأنه وسط بين منزل القبر وبين دار القرار ؛ ولذلك قال اللّه تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
[ التحريم : 8 ] ، أي يوم القيامة . وأما حسرة فوت المحبوبات ، فيستولي عليه آخرا عند القرار في النار ، ففيها يقول :
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ
[ الأعراف : 50 ] . وذلك أن بعد العهد عن الدنيا ربما يخفف عنه عذاب النزوع إليها . وطول العهد بالكشف يوجب خروجه عن خزي الافتضاح ، فإن سورة عذاب الخزي تكون عند هجوم الافتضاح ، ثم يألف الفضيحة والخزي إلفا ما ، ثم عند فتورهما قليلا ، تنبعث حسرة الفوت ، إذ يظهر جلالة الفوائت ، ثم تبقى حسرة الفوت آخرا ، ويشبه أن يكون ذلك لا آخر له . وهذا كله تعرفه قطعا ، إذا عرفت نفسك ، وعرفت أنك لا تموت ، لكن تعمى عينك ، وتصم أذنك ، وتفلج أعضاؤك . فأما الحقيقة التي أنت بها أنت ، فلا تفنى بالموت أصلا ، بل يتغير حالك فقط ، فيبقى معك جميع معارفك ، وإدراكاتك الباطنة ، وشهواتك ، وإنما تعذبك بفراق ما أحببت ، وافتضاحك بظهور ما ينكشف في تلك الحال ، وتحسرك على فوات ما تعرف عظم قدره بعد الموت لا قبله ، وهذا كله مقدّمات العذاب الحسي البدني ، وذلك أيضا حق وله ميعاد معلوم ، كما ورد به الآي والأخبار . فاقنع الآن بهذا القدر ، فإن هذا الكلام يكاد يجاوز حد مثل هذا الكتاب ، ولا بد وأن يحرك سلسلة الحمقى الجاهلين ؛ ولكنهم أخس من أن يلتفت إليهم ؛ قال اللّه تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
[ النجم : 29 ، 30 ] . فلنقتصر على هذا ولنختم به أصول الأربعين لنختم به كتاب جواهر القرآن . ومن