تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأربعين في اصول الدين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
دخول حريمه وجملة خزائنه اعتمادا على أمانته . فلما عظمت عليه النعمة ، طغى وبغى ، وصار يخون في خزانته ، ويفجر بأهل الملك وبناته وسريّاته ، وهو في جميع ذلك يظهر الأمانة للملك ، ويعتقد أنه غير مطلع على خيانته . فبينما هو في غمرة فجوره وخيانته ، إذ لاحظ روزنة « 1 » فرأى فيها الملك مطّلعا عليه منها ، وعلم أن الملك كان يطلع عليه كل يوم وليلة ، ولكنه كان يغض عنه ويمهله حتى يزداد خبثا وفجورا ، ويزداد استحقاقا للنكال ليصب عليه في الآخرة أنواع العذاب صبّا . فانظر الآن إلى قلبه كيف يحترق بنار الخزي والخجلة ، وبدنه بمعزل منه ، وكيف يود أن يعذب بدنه بكل عذاب وينكتم خزيه . فكذلك أنت تتعاطى في الدنيا أعمالا هي مشتهياتك ، ولتلك الأعمال أرواح وحقائق خبيثة قبيحة ، وأنت جاهل بها معتقد حسنها ؛ فينكشف لك في الآخرة حقائقها في صورها القبيحة ، فتختزي وتخجل خجلة تؤثر عليها آلاما بدنية . فإن قلت كيف ينكشف إليّ أرواحها وحقائقها ؟ فاعلم أن ذلك لا تفهمه إلا بمثال ؛ فمن جملته مثلا أن يؤذّن المؤذّن في رمضان قبل الصبح ، فيرى في المنام أن بيده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء ، فيقول له ابن سيرين : هذا رأيته لأذانك قبل الصبح . فتأمل الآن أنه لما بعد بالنوم قليلا عن عالم الحس الجسماني ، انكشف له روح عمله . لكن لما بعد في عالم التخيل - لأن النائم لا يزول تخيله - غشاه الخيال بمثال متخيل ، وهو الخاتم والختم ، ولكنه مثال أدل على روح العمل من نفس الأذان ، لأن عالم المنام أقرب إلى عالم الآخرة ، فالتلبيس فيه أضعف قليلا وليس يخلو عن تلبيس ، ولأجله يحتاج إلى التعبير . ولو قال قائل لهذا المؤذن : أما تستحي أن تختم أفواه الرجال وفروج النساء ؟ لقال : معاذ اللّه أن أفعل هذا ، فلأن أقدّم ويضرب عنقي أحب إليّ من أن أفعل ذلك . فهو ينكره ، لأنه يجهله ، مع أنه فعله ، لأن روحه قاصرة عن إدراك أرواح الأشياء . وكذلك لو أكلت لحما طيبا على اعتقاد أنه لحم طير ، فقال قائل : أما تستحي أن تأكل لحم أخيك الميت فلان ؟ لقلت : معاذ اللّه أن أفعل ذلك ، ولأن أموت جوعا أهون عليّ من ذلك ، فنظرت فإذا هو لحم أخيك الميت قد طبخ وقدّم إليك ولبّس عليك . فانظر كيف تختزي
هامش
( 1 ) روزنة : الكوة ، الطاقة ، والكلمة من الفارسية .