فكيف ترى اشتعال نيران الحسرة في قلبك ، وبدنك بمعزل منه ؟ وكم تقول :
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] ويا ليتنا نردّ ونعمل غير الذي كنا نعمل ؟ ، فتقول لهم : أفيضوا علينا من الماء ممّا أفيض عليكم ، فيقولون لك : هذا حرام عليك ، ألم تكن تسخر منّا وتضحك علينا ، فلا بد وأن نسخر اليوم منك كما سخرت منّا .
فلا يزال ينقطع نياط « 1 » قلبك من التحسر ولا ينفعك التحسر ، ولكن تتسلى وتقول :
الموت يخلصني من هذا .
فاعلم أن حال تارك الطاعات في الآخرة كذلك ينكشف له ، ولكن لا مطمع في الموت المخلّص ، بل هي حسرة أبدية دائمة ، والألم يتضاعف كل يوم ، وإن كان البدن بمعزل عنه ، وعنه العبارة بقوله تعالى :
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ، قالُوا : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ
[ الأعراف : 50 ] .
وكذلك يفيض على أهل المعرفة والطاعة من أنوار جمال الوجه ما تحصل به من اللّذّة مبلغ لا يوازيه نعيم الدنيا ، بل يعطى آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات كما ورد به الخبر ، لا بمعنى تضاعف المقدار بالمساحة ، بل بتضاعف الأرواح ، كما أن الجوهر يكون عشرة أمثال الفرس لا بالوزن والمقدار ، بل بروح المالية ، إذ قيمته عشرة أمثاله .
واعلم أن تحريم تلك اللذات وإفاضتها عليهم ليس من جنس تحريم الرجل نعمه على عبده بغضب أو باختيار ، حتى يتصور تغييره ، بل هو كتحريم اللّه تعالى على الأبيض أن يكون أسود في حالة البياض ، وعلى الحار أن يكون باردا في حالة الحرارة ؛ وذلك لا يتصور فيه التبديل ، بل مثال ذلك أن يقول للعالم الكامل رجل شيخ هرم من الجهال الذي كان بليدا في أصل الفطرة ولم يمارس قطّ علما ولم يتعلم لغة : أفض على قلبي من دقائق علومك ، فيقول : إن اللّه حرّمه على الجاهلين : معناه أن الاستعداد لقبوله إنما يكتسب بذكاء فطريّ ، وممارسة طويلة للعلم ، بعد تعلم اللغة العربية وأمور أخر كثيرة .
وإذا بطل الاستعداد وفات استحالة الإفاضة ، كما يستحيل إفاضة الحرارة على البرودة مع بقاء البرودة ، فلا تظنن أن اللّه تعالى يغضب عليك فيعاقبك انتقاما ، ثم تخدع نفسك
هامش
( 1 ) نياط : شريان أو هو العرق الغليظ المتصل بالقلب فإذا انقطع مات صاحبه من فوره .