والمقابلة بين خلقه ودينه وإقامة الشهادة على توازنهما بأعدل موازينه ، فمن نقشت صورة نفسه بتلك المعارف الإلهية ، وعرفت الموازين الآفاقية والأنفسية ثقلت بما اكتسبته من فيض عالم القدس ، فرجحت ومالت عن عالم الكون والفساد بالتخلي عنه والرفض له ، فاستحقت بذلك العيشة الراضية في الجنة العالية :
( وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ )
يعني عدمت نفسه معرفة تلك الموازين المستشهدة على صحة الدين ، وحجب عنها في ذلك ما يقضي لها باليقين أظلمت عليها ذاتها ، فاستحقت بذلك ورود الهاوية والخلود في العذاب الأكبر والانقطاع عن العالم الروحاني الأنور فاعلم ذلك نعوذ باللّه من ذلك .
المسألة الثامنة :
عن قول النبي صلى اللّه عليه وعلى آله : « يا علي إن في الجنة عينا يقال لها تسنيم يخرج منها نهران يطّردان لو أن سفن الدنيا أجرين فيهما لجرين حشيشهما الزعفران وحصاهما الدر والياقوت ، وعلى شاطئهما رجال مكتوب في وجوههم هؤلاء المؤمنون شيعة علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه » . الجواب في ذلك : نقول بعون اللّه سبحانه ومشيئته ومنة وليه في أرضه صلوات اللّه عليه وإفادته : إن الجنة هي دار الإبداع والعين المسماة بتسنيم هي إشارة إلى العقل الأول ومنزلته العالية ، وذلك مشتق في كلام اللغة من سنام البعير يقال أيضا : ذروة الجبل وهو أعلى موضع فيه والنهران الخارجان منه هي المادة الأزلية ، التي فاضت منه على العقول الإبداعية ، فلما انتهت إلى العاشر انقسمت قسمين وسرت في وجهتين فكنّي عنها بالنهرين فكان أحد القسمين هو ما سرى من العناية الإلهية في الأفلاك الجرمانية ، فأسرّت قواها إلى الأمهات الطبيعية ، فاستخرجت منها بالامتزاج مواليدها الجزيلة ناقلة لها من الرتبة المعدنية إلى النباتية ،