ومن النباتية إلى الحيوانية منتهية بها إلى الصورة البشرية والقامة الألفية ، فذلك هو الكمال الأول المستعد للكمال الثاني ، إن وفّق لقبوله الذي هو الغرض الأقصى وعليه المعوّل ، والقسم الثاني : هو المادة الوحييّة والرحمة القدسية ، التي اتصلت إلى عالم الدين وقام بهما ناطق الدور ممدّا لمن تبعه من المهتدين ، فدارت عن أمره أفلاك السعود من الأئمة والحدود فأثّرت بطرح أشعتها في أمهات الدين مرتقية طبقا عن طبق وصاعدة إلى أفق من المعارف بعد أفق حتى بلّغتها كماله الثاني ، ونقلتها إلى البقاء ومقر الأزلية من العالم البائد الفاني ، فهذا هو اطراد النهرين لكونهما بقوة من أجراهما كالمتعاصرين وفي استخراج العناية الإلهية بهما ، ما استخرجت من الصور القدسانية كالمتناصرين ، وقوله : لو أن سفن الدنيا أجرين فيهما لجرين . يصح من حيث الحقيقة لكون الدنيا وما فيها وجميع أحوالها منصرفة بحسب إرادة صاحب العناية وجارية بأمره إلى ما قصد إليه من استخراج العناية واستخلاص مقامات النور التي هي النهاية ، وقوله حشيشهما الزعفران وحصاهما الدر والياقوت عنى بذلك ما نبت عن النهرين من الطيب الذكي ، فشبهه بالزعفران لكونه من النبات الصاعد المحمود ، وعنى به نبات الآخرة ، لأن النفوس الصالحة هي زرع الآخرة ونباتها ، وكنّى عن عقائدهم في صفائها وصلابتها بالدر والياقوت ، لكونهما أفضل المنعقدات وأصفاها وأشرفها وهي من الآثار المحمودة والفضلات الشريفة ، وقوله وعلى شاطئهما رجال .
فالشاطئ : هو مجرى النهرين ، والرجال : هم الدعاة الذين أقامتهم الأئمة لإجراء تلك المواد وتبليغها إلى مستحقّها ، والكتابة في وجوههم من اثر السجود هو سيماهم كما قال اللّه تعالى :
( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ