إليها متأدبة بآدابها مكلوءة برعايتهما وكلاءتهما ملهمة بإلهامهما إياها لمصالحها الآخرية ، إن كانا صالحين أو مزوية عن نهج رشدها بإمالتهما أن كانا طالحين على حسب ما يغويان ذلك المولود أو ينصّرانه قال النبي صلى اللّه عليه وعلى آله : « كل مولود يولد على فطرة الإسلام حتى يكون أبواه اللذان يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه » فإذا بلغت من التربية إلى أنس رشدها وبلغت منها العناية السارية بوساطة المؤثرات الجرمانية في خلقتها الجسدانية غاية قصدها ، وقد أحكمتها غاية الأحكام ونظمت بنيتها على أبلغ نظام وهندمت هيكلها أحسن هندام جعلتها عالما أصغر مختصرا من العالم الأكبر جزئيا حصره الكلي في ضمنه فانحصر لكنه بالسرّ الساري فيه أشرف عليه بالروح النفساني الموهوب له ، وجعله كالكرة الملقاة بين يديه فأنبأ عن حقيقته وهو السبب في وجدانه وعبّر عنه مع كونه كالجزء اليسير من أحد أركانه ركّب فيه موجده ومنشئه قلبا جليّا بتدبير جسده قائما بتقويم أوده هو بيت حياته ومعدنه ومركز لبه ومسكنه لا تورد جوارحه ولا تصدر إلا عن إرادته ، ولا يصح منها حركة ولا سكون إلا بتصريفه لها وعنايته تسري مادته في جميعه سريان مادة الشمس الجرمانية في العالم الأكبر قائما بالمقابلة من عالم الدين بمقام الإمامة الأشرف الأنور ، يشهد بكون هذا القلب من الإنسان أميرا على كثيفة ، وأن المقام وحدانيّ الرتبة في عالم الدين يجريه على حسب إرادته وتصريفه قول اللّه تعالى :
( ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ )
« 93 » دلالة لا تردّها زكيات العقول وبرهانا تتلقاه صقيلات الأذهان بالقبول .
هامش
( 93 ) سورة الأحزاب : الآية 4 .