خارجا من الحرم ، فأرسلوا إلى العماليق : انّا نحن أحق بهذا المكان ، لأنا أقرب قرابة من إسماعيل ، وامّس به رحما منكم . لأنا نلتقى نحن وهو إلى غابر بن سالح « 1 » بن ارفخشد ، وأنتم لا تلتقون منه الّا إلى سام بن نوح ، فأخرجوا لنا عن هذا المكان !
فأرسلت إليهم العماليق : ان هذا المكان ارث لنا عن معاوية بن بكر جدنا منذ زمان ، وهو اوّل من سكن هذا المكان عند مهلك عاد بالريح العقيم إلى الان ، ولسنا نسلّمه إليكم .
فلما اتاهم الرسول بهذه الرسالة تأهّبوا للحرب وتحمّلوا باهاليهم وأولادهم ، فاقتحموا الحرم وامامهم ورئيسهم مضاض بن عمر ، وهو يرتجز بهذه الأبيات ويقول شعرا :
يا ربّ يا ربّ العلىّ الأغلب * اهد سبيلي كسبيل يعرب
ان سار قدما نحو ارض المغرب * نحلّ في صقع لذيذ مخصب
ابن نبي الله وابن الطيب * نحن وهو من فرع أم وأب
يجمعنا غابر « 2 » عند النّسب * وأنتم من ولد عاد الأخيب
بقية من عنصر معذب
قال : وتبارزت العماليق ، فتهيّأت للحرب ، وخرجت لمحاربة جرهم . فالتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا . فغضبت العماليق ، وغلبتهم جرهم على الحرم ، فنفوهم عنه . وذلك ان العماليق قد كان وقع فيهم الوباء فهلكت عامتّهم ، وضعفت شوكتهم . فمن اجل ذلك قويت عليهم جرهم ، فخرجت منهم « 3 » العماليق ، ونزلت الجبل بأهاليهم وأولادهم ونزلت جرهم الحرم ، فاحتووا عليه ، وقطنوه ، ورأسوا عليهم إسماعيل ، وعرفوا فضله لمكان أبيه إبراهيم ، وزوجوه امرأة من اشرافهم .
قال : ثم انّ إبراهيم اشتاق إلى إسماعيل شوقا شديدا ، فاستأذن سارة امرأته في اتيانه والالمام به . فأذنت له على أن لا ينزل عن مطيته حتى يولّى راجعا . فسار على العراق ، حتى اتى مكة ، فرآها مشحونة بالناس ونظر إلى قوم عرب لهم جمال وأحلام وكثرة أموال ، وابصر بياض ذلك الماء وحسنه ، ففرح بذلك فرحا شديدا . وسأل عن منزل إسماعيل . وكان منزله بموضع الحجر . وانما سمي الحجر ، لأنه احتجر لنفسه . فدل القوم إبراهيم على منزل إسماعيل فاتى الباب وقرعه ، فخرجت اليه امرأة إسماعيل ، وقالت : ما تشاء يا
هامش
( 1 ) . الصحيح : عابر بن شالخ ؛ ينظر : تاج العروس 12 / 508
( 2 ) . الصحيح : عابر بن شالخ
( 3 ) . أصل والنهاية : عليهم