يكون من عقبك ، ورزقته هذه الجارية . ا لا ترى انّ النّور الذي كان على جبينك قد انتقل إلى جبين ابنها هذا . وانّى كلما رأيت ذلك ازداد أسفي ، وضاعف « 1 » همّى وقد علمت انّ صداقى عليك انما هو رضاي وطاعتي والانتهاء إلى أمري لم اطلب منك صداقا غيره . وانا آمرك ان تحمل هذه الجارية وابنها حتى تأتي بها بلادا لا ماء فيه ولا زرع ، فتسكنها ، ولا تنزلها ، حتى تنصرف . قال : افعل ذلك ، ولا أخالف امرك . فحمل إسماعيل وامّه ، وسار بهما إلى الحرم ، وانتهى إلى مكة . ولم يكن بها يومئذ خلق من الناس ، الّا بناحية عرفات .
فان ولد معاوية بن بكر الذي قد أضاف وفد عاد كانوا يتناسلون هناك . وكانوا أناسا كثيرين ، ذوي إبل كثيرة ، وغنم جمة . فلما انتهى إبراهيم بابنه إسماعيل وأمه إلى مكّه ، انزلها هناك . والبيت حينئذ ربوة مشرفة على ما سواها . ولم ينزل عن مطيته ، حتى ولّى منصرفا . فنادته هاجر وقالت : يا نّبي الله ! على من تخلفنا بهذا المكان ؟ فالتفت اليهما إبراهيم ، وقال أخلّفكما إلى الله ، واستودعكما ايّاة ثم مضى .
فلم تكن الاساعة حتى « 2 » عطش إسماعيل عطشا شديدا ، وهو يومئذ من أبناء ثلاث سنين ، فدخل امّه حزن شديد ، وجعلت تتضرّع إلى الله ، وتعدو يمنة ويسرة . وسمعت حسّا ، فانصتت « 3 » فلم تر شيئا ، فكانت تسعى من الصفا إلى المروة ، ومن المروة إلى الصفا ، وهي فيما بين ذلك فتأتي إسماعيل ، فيضع يدها على فيه مخافة ان يموت من العطش ، ثم تسعى يمنة مرة ويسرة مرة « 4 » ، وهي في ذلك تدعو إلى الله ، وتبتهل ان يرحم صبيها بأبيه ، فمكثت بذلك هونا ثم سمعت حسا ، فأنصتت . وقالت : يا رب ، عجّل فرج ابن نبيك وخليلك ، فقد اشفى على الهلاك ، فاحفظ فيه أباه . اللّهم انا وديعته عندك ، فلا تضيّع وديعتك ، يا من لا يضيّع وديعته ، يا ارحم الراحمين . ثم جعلت تسعى بين الصفا والمروة « 5 » مرات كثيرة من شدة الوله والحزن ، خوفا على ابنها ان يموت عطشا . وذلك اوّل سعى هناك . فبدا لها جبرئيل في صورة آدمي ، فركض برجله الأرض موضع زمزم ، فنبع من موضع رجله ماء أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، وادسم من السمن . فاستطارت بذلك هاجر فرحا ، وبادرت فبلّت طرف ثوبها بذلك ، وأحضرت ولدها ، فعصرت في فيه ، فرجعت اليه نفسه ، وقد كان اشفى على الهلاك ثم رجعت إلى ذلك الماء ، فجعلت تحظر عليه بالترّاب اشفاقا ان يفيض فيه ، فيذهب . قال ابن عباس :
هامش
( 1 ) . تاريخ ، تصاعف ، النهاية : ضوعف
( 2 ) . تاريخ والنهاية : ثم
( 3 ) . النهاية : فمضت
( 4 ) . تاريخ : مرة بعد أخرى
( 5 ) . تاريخ : من الصفا إني المروة