ضرب الله وجوه العجم ، ومنحنا أكتافهم ، فقتلناهم في كل شاطئ وفي كل فجّ . فاحمد الله على اعزاز دينه ، واظهار أوليائه . وقتل من المسلمين ناس كثير عباد صالحون لورأيتهم قبل الوقعة إذا جنّهم الليل ، لسمعت لهم في صلواتهم كدوّي النحل من قراءة القرآن فاحتسبهم ، فقد جلّت بهم المصيبة ، وعظمت . قد كتبنا ما كان في عكسرهم من سلاح وكراع وأثاث وذهب وفضة ودوابّ ومحصية . وكاتب به أمير المؤمنين بمبلغ الخمس منه .
والسلام « 1 » . ثم وجه الكتاب مع رجل يسمى مجالد بن سعيد ، وكان عمر يخرج كل يوم عندما ابطأ عنه الخبر من المدينة ماشيا باكيا على طريق الحيرة ، فيمشى نحوا من ميلين طمعا في ان يرى من يسأله عن الخبر . فلم يكن يرى أحدا . فبينا هو كذلك ذات يوم ، إذا نظر إلى راكب مقبل من بعيد . فاستقبله ، فإذا هو بمجالد . فقال له عمر : ما الخبر ؟ قال : قد انتصر المسلمون وقتل المشركون . ثم جاز عمر . فجعل عمر يعدو معه ، حتى دخل المدينة . فاستقبل الناس عمر ، فسلموا عليه بالخلافة فوقف مجالد ، وسلّم على عمر ، ولم يعرفه من قبل انّه أمير المؤمنين . فقال مجالد : سبحان الله تعدو معي نحوا من ميل ، ولا تعلمني انّك أمير المؤمنين . قال له عمر : سبحان الله ، ما في ذلك من عار . فنزل مجالد ، وناوله كتاب الفتح ، فقرأه على الناس ، فاستبشروا ، وحمدوا اللّه وكبّروه . ثم كتب عمر إلى سعد ، يأمره ان يبني لمن قبله من العرب دار الهجرة ، ولا يكون بينه وبينهم بحر . فأقبل سعد إلى موضع الكوفة ، فبناها ، وجعلها خططا لمن كان معه من العرب ، وجعل لكل حىّ من احياء العرب خطّة . وبنى المسجد الجامع ، وبنى لنفسه مع المسجد قصر الامارة . وأعطى الناس عطاء جزلا ، وامرهم بالبناء ، فبنوا ، واسكنوا فيها النساء والذرّيّة . وخلف معه سبعة آلاف رجل من المسلمين يحفظونهم بإذن الله . ثم سار بالناس ، حتى نزل بّحد المدائن على شط دجلة « 2 » ، فعسكر هناك ، وأقام بها حولين ، ثم نادى ذات يوم في العرب ، فاستلموا بأسلحتهم ، وركبوا خيولهم نحو دجلة ليعبروا إلى المدائن . فقال لهم انّ الذي حملكم في البّر وسلّمكم ، قادر ان يسلّمكم في البحر . ثم خرج اليه مردانشاه الذي كان خليفة الملك بالمدائن ، فوقف لهم على الشريعة ، وتنادت العجم : « ديوان آمدند » « 3 » ، بعنوان « الشياطين قد اقبلو » فقاتلهم المسلمون في الماهويا . ثم ألقى اللّه عزّ وجّل الرعب في قلوب العجم ، فانهزموا ، وتركوا المدائن ، واخذوا منهزمين إلى نهاوند ، وكان فيها ملكه . حتى إذا انتهوا إلى جلولا ، أتاهم رسول الملك يزدجرد ، فأمرهم بالمقام بجلولا ،
هامش
( 1 ) . الطبري ( 2339 ) والدينوري ( ص 130 س 19 ) .
( 2 ) . الدينوري 133 ، الطبري 2431
( 3 ) . الدينوري : هنا