عليه سعد ، فقيده ، وامر بحبسه في القصر . فلما سمع بولولة النساء ، صعد بقيدة إلى أعلى القصر بمكان لا يراه سعد ، فنظر إلى الفريقين يعتركون بالسيوف ، فأخذه الزمع وأنشأ يقول « 1 » :
كفى حزنا ان ترجم الخيل في الوغى « 2 » * واقعد مشدودا علىّ وثاقيا
إذا قمت اعيانى « 3 » الحديد فأغلقت * مصارع من دونى يصم المناديا
وقد كنت ذا أهل كثير واخوة * فقد تركوني واحدا لا اخاليا
ثم نزل إلى امّ ولد لسعد ، فقال لها : أطلقينى من قيدى ، ولك عهد الله وذمتّه لئن سلمت رجعت إليك . فأطلقته المرأة ، وأخرجت اليه فرسا لسعد أبلق ، فركبها عريانا ، وناولته سيفا ورمحا ، فركض من وراء القصر من حيث لم يره سعده ، حتّى صار في أوائل بجيلة ، وقد زالوا عن مصافّهم ؛ فناداهم ان احملوا معي ، فلما رأوه قد حمل « 4 » ، حملوا معه حملة رجل واحد ، فقتلوا من العجم في حملتهم مقتلة عظيمة ، وسعد ينظر . فقال لامرأته :
لقد منّ الله على بجيلة بصاحب الفرس الأبلق ، وانني لا حسبه ملكا من الملائكة ، وما أشبه الا بفرسي ولم يزل أبو محجن يقتل ، وتقاتل معه بجيلة قتالا شديدا من المسلمين .
ثم تقّدم امام العجم فارس كان يعدّ بألف رجل ، فكان يعمل عمل الأسد ، يقتل من المسلمين من أدرك . فحمل عليه عمرو بن معديكرب ، ثم احتمله عن دابّته ، وجعله على قربوسه امامه ، ثم انصرف راجعا حتّى توسّط به صفوف العرب ، ثم رماه عن القربوس ، فكسر عنقه ، ثم اتكأ بقوسه على عنقه فذبحه ، وقال : يا معشر العرب هكذا فافعلوا ! فقال بعض من حضره : يا أبا ثور من يستطيع منّا ان يفعل هكذا . ثم تقدم من العجم فارس من ابطالهم ، فجعل يضرب ، ويقتل ، فحمل عليه شبر بن علقمة « 5 » ، وكان رجلا قصيرا ، فلذلك سمى شبرا فتضاربا بسيفيهما ، فلم يصنعا شيئا لكمال لامتهما . ثم حمل الفارسي على شبر ، فاحتمله عن دابّته ، وسقط إلى الأرض ، وعلا الفارسي شبر بن علقمة ، فسلّ خنجره ليذبح شبرا ، وقد كان عقد بمقود فرسه على منطقته ، ونفر الفرس ، وجّر الفارسي عن
هامش
( 1 ) . الطبري : ص 2303 و 2313 و 2315 . اسم المرأة : سلمى .
( 2 ) . في مروج الذهب : 2 / 315 ؛ فيه : كفى حزنا ان ترتدى الخيل بالقنا
( 3 ) . في مروج الذهب : عنّانى
( 4 ) . ص : خمل
( 5 ) . الطبري 1 : 2323