خيار كل حىّ منهم وعزّ من وراءكم . فان صدقتموهم الطعن والضرب ، كانت لكم ارضهم وديارهم وأموالهم . وان فشلتم ، لم يبق منك باقية . ألا ترون البوادي وراءكم قفارا صفصفا ليس لكم فيها خير ولا مير ، فلتكن حصونكم سيوفكم ورماحكم . ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض ، فالتقوا ، واقتتلوا قتالا شديدا ، لم يسمع السامعون بمثله . وتقدم قيس بن مكشوح المرادي امام المسلمين كالأسد الباسل وهو يرتجز ويقول :
قد علمت ورادة الوشائخ * ذات النقيّات الجبين الواضح
انى سمام البطل المشائخ * وقائم الامر المهمّ الفادح
فأتبعه فرسان العرب وابطالهم ، فحملوا على العجم حملة واحدة ، فتطاعنوا بالرماح ، وتجالدوا بالسيوف . فصبرت لهم العجم صبرا صادقا ، وقتل من الفريقين مقتلة عظيمة ، حتّى خاضت الخيل في الدماء ، واضطربوا اضطرابا شديدا ، وثار بينهم العجاج . وكان من العجم جولة ، حتى لحقوا برستم ، وهو في آخر الصفوف . فلما رأى ذلك ؛ نادى من العجم ، وقال : مالكم ثكلتكم الأمهات تجبنون عن هؤلاء القوم ، وأنتم اخوان الحرب وأحلاس الطعان . ثم صار في أوائل أصحابه ، وحمل ، وحملوا معه حملة رجل واحد .
فكان من العرب جولة ، حتى دنوا من القصر الذي فيه سعد ومعه النساء والذراري . فأمر سعد النساء ان يخرجن ، ومعهم أصاغر أولادهن ، فخرجوا مستقبلين المنهزمين ، وصحن ، وقلن : ويلكم ايجوزلكم ان تدعونا ، وتهربوا . فأخذتهم الحميّة ، ورجعوا إلى الحرب وانصرفت النسوة وأولادهن إلى القصر ، وسعد ينظر إلى ذلك ومعه امرأته التي كانت امرأة المثنى . فحملت العرب حملة واحدة ، وامامهم عمرو بن معديكرب وطليحة الأسدي وقيس بن المكشوح المرادي ، فقاتلت العجم ، واضطربوا بالرماح ، حتى تكسّرت ، وقبل ذلك السهام « 1 » حتّى نفدت . ثم صاروا إلى السيوف وأعمدة الحديد .
فحملت العجم على بجلية وكانوا في الميمنة ، وعليهم جرير بن عبد الله ، فطحنوهم طحنا شديدا ، وقتل منهم مقتلة عظيمة ، وسعد ينظر من أعلى القصر وإلى جانبه امرأته التي كانت امرأة المثنى ، فقال : وابجيلتاه ولا بجيلة لنا اليوم . فقالت المرأة وامثناه ولا مثنى لنا اليوم . فدخل سعدا الغيرة من ذكرها المثنى ، فلطم حرّ وجهها ، فقالت : أجبنا وغيرة « 2 » . وكان أبو محجن الثقفي من ابطال العرب وفرسانهم ، وكان قد شرب قبل الوقعة شرابا ، فغضب
هامش
( 1 ) . بالسهام
( 2 ) . طبري 1 : 2313 با دگرگونى