هو خير الحاكمين . فليس بيننا وبينكم الا السيف ، فتعاظم رستم قوله حين سمع ؛ ثم قال « 1 » :
والشمس لا ترتفع إلى الضحى غدا اقتلكم أجمعين . فإنما مثلكم مثل ثعلب دخل كرما لرجل من جحر ضيّق ، وكان حين دخله مهزولا ؛ فلبث في الكرم أشهرا ، يأكل حاجته . فرآه صاحب الكرم ، فنظر إلى هزاله وضعفه ، فقال ما قدر ما يأكل هذا ، فلم يعرض له . فلما طال مكثه سمن ، وحسنت حاله ، ثم أشر ، فجعل يعبث بالعنب ، ويفسد . فلما رأى صاحب الكرم فساده ؛ امر غلمانه ، فأخذوا له الخشب ، وطلبوه ، فجعل يراوغهم . فلما رآهم غير مقنعين « 2 » عنه ، مرنحّو ذلك الجحر ، ليخرج منه كما دخل . فلما أراد الخروج ضغط فيه ، لأنه دخل مهزولا . فلما سمن ، ضغطه الجحر . فأقبل نحوه الغلمان ، فضربوه ، حتى قتلوه .
فكذلك أيضا دخلتم بلادنا هذه مهازيل قد سمنتم بها ، فانظر كيف تخرجون . قال المغيرة :
لعمري لقد صدقت فيما ضربت من المثل ، وأحسبكم ستلقونا ، وتحمينا أسيافنا ورماحنا . ثم قام من عنده منصرفا ، فوجّه معه رستم غلمانا ، لكي لا يعرض له أحد بمكروه .
فلما ولى المغيرة ، قال رستم للترجمان : قل له إنّ غدا نفقأ عينك الصحيحة ، وكان المغيرة أعورا . فناداه الترجمان ، فأخبره ، بما قال : فقال المغيرة قد بشّرتنى بأجر وخير ، وانا راض بما قضى الله علىّ وقدره . فتعجّب من شدة قلبه وردّ جوابه . واقبل المغيرة حتى أتى سعدا ، فأخبره بذلك . ثم قال : استعّد ، فان القوم يصبحونك . فبات الفريقان يعبئون الخيل والرجال ، ويوقفون الرايات . وكان بسعد علة لم يمكنه الخروج بنفسه إلى الحرب ، فولّى امر الناس خالد بن عرفطة . وجعل على القلب قيس بن زهير المرادي ، وعلى الميمنة شرحبيل بن السمط ، وعلى الميسرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال . وانما سمى المرقال ، لانّه كان يرقل في الحروب إرقالا ، وهو شبه الجنب والهرولة من المشي . واستعمل على الرجّالة قيس بن حذيم « 3 » . وبسط لسعد في أعلى القصر بمكان يشرف منه على الفريقين إذا حاربوا ، ومعه في القصر جميع من كان العرب من النساء والصبيان . وأصبح الفريقان تحت راياتهم ومصافّهم ، فكانت الامداد من قبل يزدجرد تفد إلى رستم تترى عسكرا بعد عسكر ، حتّى صارت العجم زهاء مائة الف رجل . فخرجوا ومعهم اثنا عشر فيلا . فوقفوا امام صفوفهم . وكان المسلمون في أربعة وعشرين الف رجل بين فارس وراجل . فقام خالد بن عرفطة . في العرب ، ثم قال : يا معشر العرب انّ هذه البلاد قد اذلّ اللّه لكم أهلها ، منذ حولين . منهم هذه الجموع ، وأنتم لهاميم العرب وساداتهم
و
هامش
( 1 ) . الطبري : 2352
( 2 ) . مغلعين
( 3 ) . دينورى 128 : حريم ، طبري 2297 : خديم