حتى توفّى بالحيرة ، ودفن بها . ولحقت امرأته ومن كان معه ممن تخلف بالحيرة ومن قومه لسعد بالقادسية . فلما انقضت عدة امرأة المثنى ؛ خطبها سعد ابن أبي وقاص ، فأجابته ، فتزوّجها ، وحوّلها إلى رحله . وان رستم رئيس عسكر العجم ، ارسل إلى سعد بن أبي وقاص رجلا من نساكهم وفي دينهم ، فقال له : انطلق اليه ، وقل له عن رسالتي بانّكم جيراننا ، وقد كان يأتينا منهم ناس كثيرة في كل عام فيحسن « 1 » جوائزهم ، ونتفضّل عليهم ، نرعيهم مراعينا ، ونميرهم من بلادنا ، ولا نمنعهم من ارضنا ، وهو مع ذلك يعرض بالصلح ، ولا يبوح به . ثم قال : سله ان يبعث الينا رجلا من أصحابه ، ممن له فهم وغريزة عقل نسأله ما الذي تريدون ، وما جابكم « 2 » ، وإلى ما تدعون . فانطلق رسول إلى سعد ، فبلّغه هذه الرسالة . فدعى سعد بالمغيرة بن شعبة « 3 » ، فقال له : انطلق حتى تأتيه وتخيره بين خلّتين : اما الدخول في ديننا هو وجميع جنوده ، أو يؤدون الجزية عن يد ؛ وان أبى كل واحدة من هاتين الخلتين . فأذنه بحرب . فانطلق المغيرة نحو العجم ، وهو على فرس له هزيل متقلّدا سيفا ملفوفا بالخرقة . وقد امر قبل « 4 » ذلك ببسط النمارق والبسط الفاخرة امام مضربه ، وأقام الرجال صفيّن على طريقه ، بالسيوف والأعمدة ، ووضعت للمرازبة كراسي الذّهب في جوف المضرب عن يمنى سريره وشماله ، فجلسوا عليها مستلمين « 5 » بالسلاح على كل واحد جميع سلاحه لا يرى منهم الا الحدق ، ليرهب به المغيرة ، ليجيبه إلى الصلح . فأقبل المغيرة ، حتّى دخل ونزل عن فرسه ، فجعل يقوده وبيده عكازة وفي أسفلها زج دقيق ، حتّى دنا من مضرب رستم ، وانتهى إلى تلك البسط . فدفع فرسه إلى بعض غلمانهم ، ليمسكه عليه ، واقبل يمشى خطوا متقاربا ، يغير « 6 » زج العكازة في تلك النمارق ، فلا يقع في شئ منها الا نفذه ، وهم ينظرون إلى ذلك . فيعجبون منه ، ويكرهون ان ينهوه عن ذلك . فلما دنا من رستم ، قام اليه ناس ليأخذوه ويأخذوا سيفه من عاتقه ، فأبى ان يدعهم فناداهم رستم ، وقال دعوه ، فما عسى ان يكون من امره . فأقبل حتى دنا من السرير فرقاه ، وجلس عليه مع رستم ، فقال للترجمان : اعلمه ان جلوسى معه شرف له .
فلما سمع رستم ذلك ، قال لغلمانه دعوه ! فتركوه . ثم قال رستم : ان أحببت ان تتكلم فتكلم ، والا تكلمنا . قال المغيرة : بل تكّلم ، فأنت الذي سألتنا ان نأتيك . فتكّلم رستم ، وقال
هامش
( 1 ) . الصحيح : فحسن
( 2 ) . الصحيح : جاءبكم
( 3 ) . الدينوري 127 ، الثعالبي 739 ، الطبري پ : 2236
( 4 ) . هنا سقوط ؛ من قبيل : وقد امر رستم
( 5 ) . مستلإمين
( 6 ) . الصحيح : يغرز