شدّي على أعدائهم ، حتى اذعن لي بالطاعة أقاصيهم وادانيهم . ثم اخترت بلدانا كثيرة ، وزادونى يوما بعد يوم قوّة وعزّا ، وزاد أعدائي وهنا وضعفا . ولقد كنت لأهل هذه المملكة كالأب الشفيق احنو عليهم ، واحوطهم وأغني أمور أكابرهم واصاغرهم وأقيم اودهم ، وابذل نفسي في اصلاحهم ، وتوفير بيوت أموالهم التي هي كهف سلطانهم وعزّ ملكهم . ثم نلت من طول الأمنية وغضارة العيش مما لم يبلغه كثير من الملوك . وقد انقضى ذلك كّله لان كل شئ إلى زوال وانقضاء ، وقد تيقّنت انقضاء ما كنت فيه ، ولما وجدناه مفسرا من أمرنا لتمام ثمان وثلاثين سنة من ملكنا . وقد رضينا بأمر اللّه وسلّمنا لرضاه ، والله من وراء الانتقام لنا ممن افسد ملكنا وثرّب علينا سلطاننا ، وأوهن أمرنا .
فانطلق ايّها الكاتب فأبلغ ابني شيرويه كما ابلغتنى عنه . فانطلق أستاذ جشنس إلى شيرويه ، فحكى ذلك كله ، حتّى لم يخرم منه حرفا ، ولم يزله عن مكانه . فلما سمع شيرويه ذلك غلبته « 1 » كآبة ، وخنقته العبرة ، فلما أتى لذلك أيام ، والاشراف والوزراء وأهل المراتب مجتمعون ، فتوامروا بينهم ، وخافوا الفتنة لميل كثير من المرازبة وعظماء الأساورة إلى كسرى ، وكثير منهم إلى شيرويه وقالوا : انّ الملك لا تقوم أركانه ، ولا يتّسق امره لملكين ، فهلمّوا بنا ندخل على شيرويه ، ونعلمه انّا نخاف من الفتنة . فإن كان له حاجة في السلطان ، أمر بقتل أبيه على ما كان . فاتفقوا على ذلك ، ثم انطلق وجوههم حتّى دخلوا عليه ، فقالوا :
انه لا يجوز أن يكون ملكان اثنان ، ولا تعتدل الأمور لذلك ، فاختر أحد الامرين : اما قتل أبيك ، وتخليص نفسك ، والامر لك ؛ واما ان تعتزل حتى يرد الامر إلى أبيك ، كما لم يزل . فلما سمع شيرويه ذلك ؛ سقط في يديه ، وعلم أن الامر عائد إلى أبيه ، لا محالة ان لم يأمر بقتله ، فانّه اوّل مقتول ان عاد الملك إلى أبيه . فقال : اجّلونى يومى هذا إلى غذ .
فانصرفوا يومهم . فلما كان الغد عادوا اليه . فأخذوا مجالسهم على قدر مراتبهم ، فقال شيرويه لعظيم من عظماء المرازبة الذين عرفهم بايثار الطاعة والميل اليه :
انطلق حتى تدخل على أبينا ، فتقتله « 2 » .
فانطلق المرزبان حتّى دخل على كسرى فأخبره بما امربه . فقال له كسرى : انطلق ، فلست بصاحبي الذي يجرى قتلى على يديه . فانصرف المرزبان حتّى أتى شيرويه ، فقال له : ما صنعت ؟ فأخبره بمقالة أبيه له ، فوجّه شيرويه رجلا آخر من المرازبة لقتل أبيه . فلما دخل على كسرى ؛ قال له مثل مقالته الأولى ، فانصرف ، ولم يصنع شيئا . فاعتّل على شيرويه بان قال لشيرويه لم تطب نفسي بقتله . حتى وجّه عدة منهم ، فكانوا يعتلّون
و
هامش
( 1 ) . ص : علته
( 2 ) . طبري 1058 ، دينورى 115 ، ثعالبى 724